وكان الحريري يوما جالسا بمجلس بعض الأكابر فجرى قول البستي في رجل بخيل شرير : « 1 » « إن لم يكن لنا طمع في درك درّك ، فأعفنا من شرك شرّك » . فلم يبق أحد إلّا استحسنها وأقرّ بالعجز عن الإتيان بمثلها ، فقال ابن الحريري في الحال « 2 » : إن لم تدننا من مبارك مبارّك فأعفنا من معارك معارّك .
وله من التصانيف غير المقامات : درّة الغوّاص في أوهام الخواصّ ، وملحة الإعراب ، وله ديوان شعر ، وديوان رسائل . وليس شعره ولا رسائله من نمط المقامات ، حتى كأنّ قائلها غير قائل تلك الرسائل وتلك الأشعار . قيل إنّ مسوداتها كانت حمل جمل . قال الصفدي « 3 » : وهذه مبالغة من القائل . وللشعراء فيها أمداح . من أحسنها قول إمام أهل البلاغة جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري المعتزلي فيما نسب إليه « 4 » : ( تام السريع )
أقسمت بالبيت وآياته * ومشعر الخيف وميقاته
أنّ الحريريّ حريّ بأن * نكتب بالتّبر مقاماته
وسمع الحريريّ رحمه الله من أبي تمام ، ومحمد بن الحسين بن موسى المقرئ « 5 » ، وأبي القاسم الفضل القصباني « 6 » الأديب وغيرهما . وتفقه على
هامش
( 1 ) انظر هذه القولة في شعر البستي 102 واليتيمة 4 / 306 - 307 والإعجاز 120 وعيون التواريخ 12 / 136 .
( 2 ) القول في عيون التواريخ 12 / 136 .
( 3 ) انظر نصرة الثائر 57 ولم ترد فيه هذه القولة ، ولعل صحة العبارة هكذا : قاله الصفدي . وربما كانت القولة " وهذه مبالغة من القائل " لمؤلف الكوكب الثاقب .
( 4 ) البيتان في النجوم الزاهرة 5 / 225 وبغية الوعاة 2 / 258 والخزانة 3 / 117 .
( 5 ) من الشيوخ القراء الذين حدّث عنهم الحريري وأخذ عنهم ، مرآة الزمان 3 / 214 والشذرات 4 / 50 .
( 6 ) أب ج ش : القاسم بن الفضل . ( بن ) غلط ، والتصحيح من معجم الأدباء 16 / 218 ، 261 وبغية الوعاة 2 / 246 .
وأبو القاسم هو الفضل بن محمد بن علي البصري ، كان واسع العلم إماما في النحو واللغة والأدب ، أخذ عنه الحريري والخطيب التبريزي ( - 444 ه ) نزهة الألباء 352 ومعجم الأدباء 16 / 218 ونكت الهميان 227 وبغية الوعاة 2 / 246 والأعلام 5 / 151 .