تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
وقال ياقوت في معجم الأدباء « 1 » : " حدثني من أثق به أن الحريريّ لما صنع المقامة الحرامية وتعاني الكتابة فأتقنها ، وخالط الكتّاب أصعد إلى بغداد ، فدخل يوما إلى ديوان السلطان وهو منغصّ بذوي الفضل والبلاغة ، متحفّل « 2 » بأهل الكتابة والبراعة ، وقد بلغهم ورود ابن الحريري ، إلّا أنهم لم يعرفوا فضله ، ولا اشتهر بينهم ببلاغته « 3 » ونبله ، فقال له بعض الكتاب : أيّ شيء تتعانى « 4 » من صناعة الكتابة حتى نباحثك فيه ؟ فأخذ بيده قلما وقال : كل ما يتعلق بهذا ، وأشار إلى القلم . فقيل له : هذه دعوى عظيمة ، فقال : امتحنوا تخبروا ، فسأله كلّ واحد منهم عمّا « 5 » يعتقد في نفسه إتعابه به ، من أنواع الكتابة ، فأجاب عن الجميع أحسن جواب ، وخاطبهم بأتمّ خطاب ، حتّى بهرهم ، فانتهى خبره إلى الوزير أنوشروان بن خالد فأدخله عليه ، ومال بكلّيته إليه ، والتزمه ونادمه فتحادثا يوما حتى انتهى الحديث إلى ذكر أبي زيد السّروجيّ فأورد ابن الحريري المقامة الحراميّة التي صنعها فاستحسنها أنوشروان جدا ، وقال : ينبغي أن تضاف هذه إلى أمثالها ، وينسج على منوالها عدّة من أشكالها . فقال أفعل ذلك مع رجوعي إلى البصرة . فصنع أربعين مقامة ثم أصعد إلى بغداد ، وهي معه وعرضها على أنوشروان فاستحسنها وتداولها النّاس ، واتّهمه من يحسده بأن قال : ليس هذه من عمله لأنها لا تناسب رسائله ، ولا تشاكل ألفاظه وقالوا : كلّ هذه من صناعة رجل كان استضافه ومات عنده فادّعاها لنفسه . وقال آخرون « 6 » : بل العرب أخذت بعض القوافل وكان ممّا أخذ جراب لبعض المغاربة باعه العرب بالبصرة ، فاشتراه ابن الحريري وادّعاه ، فإن كان صادقا أنّها من عمله فليضع مقامة
هامش
( 1 ) معجم الأدباء 16 / 264 - 266 إلى قوله : " وعلموا أنها من عمله " ببعض الإيجاز . ( 2 ) متحفّل من تحفّل المجلس تزيّن وكثر أهله . ( القاموس : حفل ) . ( 3 ) ج : لبلاغته ، وهو غلط . ( 4 ) تتعانى : من عناء وتعنّى : نصب . . . وتعنّى العناء : تجشّمه ( اللسان : عنا ) ولعلهم يقصدون سؤاله عن الفن الذي يبذل فيه جهدا كبيرا ويبرع فيه من صناعة الكتابة . ( 5 ) ج : مما ، وهو غلط . ( 6 ) الخبر في الوفيات 4 / 65 ومعاهد التنصيص 3 / 273