تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
فلمّا ملكتني سورة دعواه ، وحرّكتني ثورة شكواه ، قلت : أيّها الشيخ الأجلّ ، سلبت المهل ، وألبست الخجل ، فما ذاك ؟ ومن آذاك ؟ قال : كنت بحضرة القدس ، ومستقرّ الأنس ، إذ جاءني عبدان ، لم يكن لي بهما يدان ، فأزلفاني إلى محلّ الخلفاء ، ووقّفاني بين يدي الأئمة الأكفاء ، وإذا لديهم جماعة الوزراء والقضاة ، ومن كنت أمدحهم أيّام الحياة ، فأومئوا بالدّعوى عليّ إلى ابن أبي دؤاد « 1 » ، وكان عليّ شديد الاتّقاد ، سديد سهام الأحقاد ، فحكم عليّ بردّ صلاتي ، والفدية بجميع صومي وصلاتي ، فقلت قول المدلّ الواثق ، عائذا بالمأمون والمعتصم والواثق : يا أمير المؤمنين ، ما هذه المؤاخذة بعد الرّضى ، وقد مضى لي من خدمتكم ما مضى ؟ فقال المأمون ، وسكت الباقون : يا ابن أوس « 2 » ، إنّك قد مدحتنا والناس بأشعار منحولة ، وقصائد مقولة منقولة ، وكلام مختلق ، سرقته من قائله قبل أن يخلق ، فلمّا آن أوانه ، واتّسق زمانه ، استردّ ودائعه منك ، وهو غير راض عنك ، فقلت : ومن ذا الذي أعدمني بعد الوجود ، وأعاضني المعدوم بالموجود ، وملك عليّ فنّي ، وأصبح أحقّ به منّي ؟ فقال : كأنّك لا تعرف الواعظ الموصليّ الولاد ، الحويصيل « 3 » البلاد ، الغريب العمّة ، القريب الهمّة ، البعبعيّ الإيراد ، الودعيّ الإنشاد : ( تام السريع )
كأنّما بين خياشيمه * مفكّر يضرب بالطّبل « 4 »
هامش
( 1 ) هو أحمد بن أبي دواد قاضي قضاة المعتصم والواثق اشتهر بقسوته على من لم يؤمن بقضية خلق القرآن ( - 240 ه ) ثمار القلوب 206 ( ت . محمد أبو الفضل ) والوفيات 1 / 81 - 91 . ( 2 ) هو أبو تمام الشاعر حبيب بن أوس . ( 3 ) الحويصيل تصغير الحوصل ، وهو من الطائر بمنزلة المعدة من الإنسان ، والعمّة التّعمّم أي لبس العمامة . البعبعي : نسبة إلى البعبعة وهي تتابع الكلام في عجلة . الودعيّ : نسبة إلى الودع وهو خرز أبيض يخرج من البحر يعلّق في عنق الصبيان ( اللسان : بعع ، حصل ، عمم ، ودع ) ولعله يريد بالحويصيل البلاد أن هذا الواعظ مرتزق يتكسّب في البلاد فهي بالنسبة إليه بمثابة الحوصل للطائر . ويقصد بالبعبعي الإيراد أنه يكثر من اللّغط ويتابع الكلام في عجلة عند إتيانه ومجيئه . ويريد بالودعي الإنشاد أن صوته يشبه ما يصدر عن الودع من صوت حين تحريكه في إناء أو غيره . ( 4 ) البيت غير منسوب في الوافي بالوفيات 5 / 116 وإدراك الأماني 13 / 51 .