لا ينسى شيئا مع إتقان الحفظ ، ونظم الشعر قبل بلوغ العشر السنين ، وشعره ربيع القلوب ونزهة الخواطر ، ما لحقه فيه حبيب ، ولا تبلج مثله محبوب ، وجمعت منه ما كان أنشدني أو كاتبني به وهو اليسير وشذّ عني منه الطّيب الكثير ، وسمّيت المجموع : « طلوع الضياء » ولم يتزوّج .
وإنّما اخترت له هذه الكنية لمناسبتها حاله ، فقد كانت الدنيا إلّا المعالي عنده أهون على الحجّاج من تباله ، فمّما أماس في غلائل الرقّة ، وأشبه سحر العيون بمعانيه والحضور في الدقّة ، ما كتبه إليّ أيام التلاقي ، وقرّة العيون والمآقي :
قم فقد ألممت صبا الأبكار * واكتسى الأفق حلة الأنوار
واحتلى جيده قلادة تبر * من سنا الشمس بعد در الدرار
دب جمر الصباح في فحمة الليل * فطارت نجومه كالشرار
خال شمس الضحى عروسا فأضحى * ينفض الشهب قبلها كالنثار
وانجلى الزهر في الرياض فقلنا * نقلت نحوها النجوم السواري
فأجبني إلى رياض زواه * قد دعتنا بألسن الأطيار
وكفتنا عن مزهر ورباب * بغنا عند ليبها والهزار
فرشت تحتنا النبات وأرخت * خيما فوقنا من الأشجار
شجر كالحسان أوراقها اللب * س وفي جيدها حلى الأزهار
ويسيل النسيم فيها من النهر * حساما لقطع محل الديار
فاز من بات في الربيع وأضحى * يلتهي بالجنان والأنوار
يعقد الأنس فوق بعض السواقي * تحت ظل الغصون ذات الثمار
بين ورد ونرجس وأقاح * وشقيق وسوسن وبهار
يحتوي فضة من النرجس الغضّ * ويحظى من ورده بالنظار
إن ذوى نرجس وورد بكاه * لا على درهم ولا دينار
ما لفضل الربيع في الحسن شبه * غير أوصاف يوسف ذي الفخار
نجم أفق العلى الذي قد تسامى * عن محلّ الشموس والأقمار
خلقه كالنسيم والخلق كالزهر * نداه كغيثه المدرار
مفرد العصر في فخار جليّ * كسفا الشمس لاح للنظار
وأمام البيان فالكل منا * يهتدي من سناه بالأنوار