وأصله من يافع ، وولد ونشأ بصنعاء ، فكان على منهج أهلها الزيدية في المذهب ، لا في الشعر ، فإنه أصبح لموطاه مالكا ، وكان له دكان يحظى به العمائم والأردية أحيانا ، ويجتمع إليه بها من له شغف بشعره ، وفي مذهبي الكلامي أنه لا يجوز أن يقدم عليه شاعر في وقته جزالة ورقّة ومتانة وحسن سبك ، ( للناس فيما يعشقون مذاهب ) ، وكان إنشاده مطربا ، ولا غرو فهو إبراهيم ، ولا يملّ جليسه حديثه ، فهو عقله المستوقن ، كما أن شعره نزهة المطمئن ، وكان فيه تصوّف وميل إلى فيض الصوفية ، ويحفظ ديوان الشيخ سراج الدين عمر بن الفارض « 1 » .
واليافعي صوفي لا سيما روض رياحين الأدب مع لطف طبع ، وقناعة على الفاقة التي أصابته لما كسد شعره بكساد شعار الدولة ، ولم يبق للفضل رسم ، ولا للشعر اسم ، ولو أردت الكلية لقلت ولا لكل العلوم سهم ، وكانت عينه بالماضين قريرة ، فبلي بالأصمّين الكبر وبخلهم ، كما بلي بقتل الشيخ وفقد الجراب أبو هريرة « 2 » ، ولزم بيته وهجره بصنعاء ، وأصبح لا يجد مع اللئام بعد الكرام صنعاء ، وقد جاوز الثمانين وبلغها ، ونثل كفانة فكره واستفرغها ، وإذا اضطر إلى مدح أحد من الخلق غير بعض مخالص عتيقه ومدحه على حرف وما بقي له إلا الجوهر المنضود ، وأين أين المشتري ، وأصبح وهو متنبيء الشعر شقيا بكل تنبال اليد بحتري « 3 » ، وودّ لو كان كسالف وقته المذهب خطا أو أنه أدرك كما أمّل من المتأخرين بالمعينين خطا ، ودام كذلك بصنعاء حتى أدركه الأجل بها يوم السبت
هامش
( 1 ) هو أبو حفص عمر بن علي بن المرشد بن علي الحموي الأصل ، المصري المولد والنشأة ، المعروف بابن الفارض . ولد بالقاهرة سنة 576 ه . كان شاعرا صوفيا زاهدا ، يأوي إلى المساجد المهجورة ، وقورا إذا مشى ازدحم عليه الناس لالتماس البركة ، وإذا حضر مجلسا استولى على أهله السكون . جاور مكة المكرمة خمسة عشر عاما للعبادة ، ثم رجع إلى مصر .
له ديوان شعر كله رائق لطيف . توفي بالقاهرة سنة 632 ه ودفن في سفح جبل المقطم .
ترجمته في : وفيات الأعيان 3 / 454 - 456 ، والكنى والألقاب 1 / 369 ، والسمو الروحي في الأدب الصوفي / 361 ، والنجوم الزاهرة 6 / 288 - 290 ، أنوار الربيع 1 / ه 46 .
( 2 ) في هامش الأصل : « كان لأبي هريرة جراب فيه تمر ، زعم أنه أعطاه إياه رسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأمره أن يأكل منه ولا . . . . . فما زال يأكل منه حتى قتل عثمان فأنشد :للناس هم . . . اليوم عثمان * نفد الجراب وقتل الشيخ عثمانذكره الثعالبي .
( 3 ) في هامش الأصل : « البحتري : القصير » .