فسجد ، فقيل : يا أبا فراس ما تصنع ؟ قال : أنا أعرف سجدة الشعر كما تعرفون سجدة القرآن .
وفي اعتقادي أن اليمن لم يلد أشعر منه من أوّل الدهر إلى وقته ، ومن قرأ ديوانه صدّقني إن لم يكن متعصّبا ، ولا أبو عبد اللّه الحسين بن القاسم شاعر بني الصليحي فإنما جاء بأبيات قليلة مستجادة كقوله في الداعي سبأ بن أحمد « 1 » :
ولما مدحت الهزبريّ « 2 » بن أحمد * أجاز وكافاني على المدح بالمدح
وعوّضّني شعرا بشعري وزادني * نوالا فهذا رأس مالي وذا ربحي
إستجاد هذا جماعة من الأدباء ، منهم ابن خلكان « 3 » .
وأنا أقول : إنما استمدّه من أبي عبادة البحتري فإنه دخل إلى حلب وبها هاشمي كريم يعرف بسليمان بن طاهر وقد أنفذ ماله ورباعه وضياعه في المكارم ، فأنفذ إليه البحتري أبياتا يمدحه فيها ، فلما قرأها باع داره وأنفذ له ثمنها مائتي دينار وكتب معها :
لو يكون الحبا حسب الذي أن * ت لدينا له محل وأهل
لحثوت اللجين والدرّ والياقو * ت حثوا وكان ذاك يقلّ
والصديق الأديب يسمح بالعذ * ر إذا قصّر الصديق المقلّ
فردّ البحتري الدنانير وكتب معها :
بأبي أنت للبرّ أهل * والمساعي بعد وسعيك قبل
هامش
( 1 ) سبأ بن أحمد بن المظفر بن علي الصليحي : من أصحاب اليمن . تولاها بعد وفاة « المكرم » وبعهد منه ، سنة 484 ه . قال الخزرجي : كان شجاعا جوادا كريما فصيحا ، دميم الخلق ، قصيرا . استمر إلى أن مات بحصنه « أشيح » سنة 492 ه ، وفيه وفي حصنه ، يقول الحسن بن قاسم الزبيدي ، من أبيات :« إن ضامك الدهر ، فاستعصم بأشيح »أو :« . . . نابك الدهر ، فاستمطر بنان سبا »ترجمته في : العسجد المسبوك - خ . ومعجم البلدان 1 : 264 ، وفيات الأعيان 2 / 237 ، وأنظر طائفة من أخباره في تاريخ اليمن لعمارة 64 - 69 ، الاعلام ط 4 / 3 / 76 .
( 2 ) في الوفيات : « الهبزري » .
( 3 ) وفيات الأعيان 2 / 337 .