واللّه لولا أن يقال تغيّرا * وصبا وإن كان التصابي أجدرا
لأعدت تفّاح الخدود بنفسجا * لثما وكافور الترائب عنبرا « 1 »
للّه [ درّ ] هذه القطعة ، ما أجودها وأنداها على الأكباد ، ولولا الإيهام لقلت ما أبردها وما أدلّها بالمعنيين ، على إنها ربيبة ملك وبنت ملك لمراعاته فيها بين النفائس الذي اعتذر بعد بها ابن الرومي من التفاح الذي هو خدّ الروض ، والبنفسج الذي صفر جداليها فما بقي له خوض قبل الغض للغض ، وبعد قضى ذلك الغرض ، وتشبيه الترائب بالكافور قبل اللثم ، وبعده بالعنبر الأشهب وهو حياة الشمّ ، وطرح أداة التشبيه وهو أبلغ ، وتصريع البيت الثالث والجناس في الأول والثاني والاستعارة وحسن التخييل ، وقد جمع النبات الرائحة الذكية نتأمله بفطنة مثلها .
قال الثعالبي : أنشدني المصيصي للأمير تميم [ من الطويل ] :
شربنا على نوح المطوّقة الورق * وأردية الروض المفوّفة البلق « 2 »
معتّقة أفنى الزمان وجودها * فجاءت كفوت اللحظ أو رقّة العشق
كأنّ السحاب الغرّ أصبحن أكؤسا * لنا وكأنّ الراح فيها سنا البرق
فبتنا نحث الكأس حثّا وإنّنا * لنشربها بالحثّ صرفا ونستسقي
إلى أن رأيت النجم وهو مغرّب * وأقبلن رايات الصباح من الشرق
كأنّ سواد الليل والفجر طالع * بقية لطخ الكحل في الأعين الزرق « 3 »
ومن شعره الحرّ في صفة يوم بالنيل تمتع بأردافه وسروره ، وحصل منه في جنّة ولا نار إلّا ما لاح بخمره موشوره ، والحباب يحكي ما تبسم به من القواطع ، وقد رفعه النيل على صوته وأشار للسلام عليه بالأصابع ، فقال :
يوم لنا بالنيل مختصر * ولكل يوم مسرّة قصر
والسفن تصعد كالخيول بنا * في موجه والماء ينحدر
هامش
( 1 ) يتيمة 1 / 292 ، دمية القصر 1 / 93 ، وفيات الأعيان 1 / 301 ، ديوانه 464 .
( 2 ) الورق : جمع أورق وورقا ، وصف من الورقة : وهو لون سواد في غبرة أو في بياض . وأراد بالورق الحمائم . وبرد مفوّف : رقيق فيه خطوط بيض . والفوف : ثياب رقاق من ثياب اليمن موشاة . والبلق : جمع أبلق وبلقاء ، وصف من البلق والبلقة : لون سواد وبياض .
( 3 ) يتيمة الدهر 1 / 293 ، شرح مقامات الحريري للشريشي ، ديوانه 296 .