ولقد سرى فيما يسير بليلة * بعد العشاء بكربلا في موكب « 1 »
حتى أتى متبتّلا في قائم * ألقى قواعده بقاع مجدب « 2 »
تأتيه ليس بحيث تلقى عامرا * غير الوحوش وغير أصلع أشيب « 3 »
في مدمج زلق أشمّ كأنه * حلقوم أبيض ضيّق مستصعب « 4 »
فدنا فصاح به فأشرف ماثلا * كالنسر فوق شظيّة من مرقب « 5 »
هل قرب قائمك الذي بوّئته * ماء يصاب فقال ما من مشرب
إلا بغاية فرسخين ومن لنا * بالماء بين نقا وقيّ سبسب « 6 »
فثنى الأعنة نحو وعث فاجتلى * ملساء تبرق كاللجين المذهب « 7 »
قال اقلبوها إنكم إن تقلبوا * ترووا ولا تروون إن لم تقلب
هامش
( 1 ) في هذا البيت والأبيات التي تليه إلى البيت 49 عرض الشاعر إحدى مناقب أمير المؤمنين عليه السّلام عرضا رائعا وملخصها كما رواها الشيخ المفيد في إرشاده ( 157 ) والعاملي في أعيان الشيعة 12 :
228 : أن أمير المؤمنين عليه السّلام لما سار إلى حرب صفين أخذ طريق البر وترك الفرات . وأصاب أصحابه عطش شديد فلاح لهم دير ، فهتف به . فأشرف راهب من صومعته . فقال له : هل قرب الدير ماء ؟ قال : بيني وبين الماء أكثر من فرسخين . فسار قليلا ونزل بموضع فيه رمل . وأشار إلى مكان فكشفوه . فأصابوا تحته صخرة بيضاء عظيمة تلمع . فأمرهم بقلعها فلم يقدروا . فاقتلعها بيده ونحاها فإذا تحتها ماء أرق من الزلال وأعذب من كل ماء . فشرب الناس وارتووا وحملوا منه .
وردوا الصخرة والرمل كما كان . فنزل الراهب إليه وقال له : أنت نبي ؟ قال : لا ، أنا وصي محمد خاتم النبيين صلى اللّه عليه وآله وسلّم . فأسلم الراهب وقال : إن أبي أخبرني عن جدي وكان من حواري عيسى عليه السّلام أنه قال : إن تحت هذا الرمل عينا من ماء أبيض من الثلج وأعذب من كل عذب لا يقع عليها إلا نبي أو وصي نبي . وأن هذا الدير بني على طلب قالع هذه الصخرة ومخرج الماء من تحتها . وسار الراهب مع الإمام فاستشهد بصفين ليلة الهرير .
( 2 ) المتبتل : الراهب ، القائم : صومعة الراهب .
( 3 ) الأصلع الأشيب : المراد به الراهب . والصلع محركة : انحسار شعر مقدم الرأس .
( 4 ) المدمج : الشيء المستور والمراد به صومعة الراهب ، الزلق : الذي لا تثبت عليه قدم ، الأشم :
الطويل المشرف ، الأبيض : الطائر الكبير من طيور الماء . وتشبيه الصومعة الطويلة بحلقوم طائر الماء من أوقع التشبيه ، ضيق مستصعب : صفتان لمدمج .
( 5 ) الماثل : المتنصب . وشبه الراهب بالنسر لعلو سنه ، الشظية : قطعة من الجبل منفردة ، المرقب :
المكان العالي .
( 6 ) النقا : قطعة من الرمل محدودبة ، القي : بكسر القاف وتشديد الياء : القفر أو الصحراء الواسعة ، السبسب : الأرض القفر كذلك .
( 7 ) الوعث : المكان اللين الذي تغيب فيه أخفاف الإبل ، اجتلى : أي نظر إلى صخرة ملساء .