نفسه ، وكان من النسّاك العلماء الكبار العاملين ، فاضلا ينظم الشعر المليح .
ولبث ببغداد زمانا في أيام معزّ الدولة وبحضرة الصاحب بن عباد ، وكان الصاحب يعرف حقّه ويعظم فضائله .
سافر إلى بلاد الديلم فأجابوا دعوته وأقام بها إماما عشرين سنة ، وتوفى سنة إحدى عشر وأربعمائة في أيام القائم بأمر اللّه العباسي ، وكان يلبس الصوف تزهّدا وصلاحا ، وله في الصاحب أبي القاسم « 1 » يمدحه :
سقى عهدها صوب من المزن هاطل * تحيى به تلك الربى والمنازل
منازل نجم الوصل فيهن طالع * يضيء ونجم الهجر فيهن آفل
رياض حكى أبراد صنعا وشيعها * غداة حباها الوشي طلّ ووابل
وكل سحاب شوّق الأرض قربه * كأن التماع البرق فيه مشاعل
سحبنا ذيول الوشي في عرصاتها * وعزّ لنا فيها غزال مغازل
وطالت لنا الأيام إذ سمحت لنا * بما سمحت والدهر عنهن غافل
وكان شبابي عاذلا لعواذلي * وليس لها في أن تعاقب طايل
نعمنا بها لم نعرف البؤس والأذى * ولا الهجر منتاب ولا الوصل راحل
ومن مديحها :
لأغنيت حتى ليس في الأرض معدم * وأعطيت حتى ليس في الأرض سائل
وقد نقم بعض الثقلاء عليه في هذا البيت ، وقال أنه مدح مخلوقا بما هو من صفات الرب تعالى ، وليس عليه في ذلك انتقاد أصلا .
وما أحسن قوله فيها :
فكم لك في أبناء أحمد من يد * لها معلم يوم القيامة ماثل
إليك عميد المجد سارت ركابهم * وليس لهم إلّا علاك رسائل
وأعطيتهم حتى لقد سئموا اللهى * وعاد من العذال من هو سائل
وأسعدتهم والسعد لولاك واجم * وأعززتهم والذل لولاك شامل
فكل زمان لم تزيّنه عاطل * وكل مديح غير مدحك باطل
هامش
( 1 ) ترجمه المؤلف برقم 29 .