بعد مماته وسمّاه قلائد الجواهر من شعر الحسن بن علي بن جابر ، سمة طابقت المسمّى ، ولؤلؤ لو اكتحل به لعاد بصيرا ، ولو كان المعرّي الأعمى ، ورتّبه على الأنواع ، وأشفق على ذلك النفيس من الضياع ، وما زالت له كالشمس همّة ، ولولا هي ما برح الأدب في ظلمة ، وكتبه على كثرتها ليس فيها كتاب إلّا وخطّه على أكثر ورقه أما ينبّه على شيء أو يستدرك بحيث يعجز الرائي ويستدل على فضله وسعة صدره مع اشتغاله بالمناصب ، وبيني وبينه مكاتبة بالشعر ، فمما كتبته إليه مع إرسال شيء من ورقات هذا المؤلّف طلبها :
وأبيك إن الظاعنات أصيلا * قدّمن قلب محبّهن دليلا
ولو استفقت وقد سفرت عشيّة * لرأيت وجدي كالوجوه جميلا
هنّ اللحاظ الماضيات وإنّما * بالسحر تبصر حدّهن كليلا
وإليك عن حزوى فإنك واهم * إن رمت من حزوى تبلّ غليلا
قد منّعوا تلك الشموس فدونها * أن تبلغ العيّوق والإكليلا
ولقد عهدت بها وما طال المدى * كلّا ولكن للشعوب ظليلا
وأوانسا جعل الجمال ثغورها * ونحورها صبحا له وأصيلا
من كل جائرة ولين عطفها * منه استفاد العامل التعديلا
تشكو خلاخلها الثراء وتشتكي * ما ضمنت فيك النطاق محولا
يا ظبية الوادي التي من دونها * أسد يريني بالرماح الغيلا
هل عائد لي ما عهدت على الحمى * فأرى الحديث من القديم بديلا ؟
عصر تولّى كالمدام مذاقه * عذب وثنى بالخمار وبيلا
أيام لي عند الصباح مكانه * ودجى شبابي يبلغ المأمولا
حتى اعتلى صبح المشيب وأبصرت * ليلي عليّ الأبيض المصقولا
وبودّها أن لا تراه وإنّها * لاقت سواه من العداة رعيلا
ونعم أعاد تذكري عهد الحمى * برق تخال من البعاد عليلا
سقى الحمى غيث الجفون وجاده * طلّ يبلّ من الرسوم طلولا
أأعيره نفسي وأمنع سفحه * دمعا كثيرا في الوفاء قليلا ؟
وحمامة سجعت على فنن اللوى * سحرا فهاجت بالحنين هديلا
شجوان لي هاجا وأتعب منهما * أن لست أفقد واشيا وعذولا
جارا عليّ وإنما حكم الهوى * حتى اغتدى قدر العزيز ذليلا