ثم وصلت إلى منزلي فصدّرت البيتين الأولين وعجزتهما ونقلت ذلك إلى الموعظة فقلت :
( ولم أدخل الحمّام من أجل لذّة ) * وكيف التذاذي بالنيار اللوافح
ولا جئته أبغي اصطلاء بناره * ( وكيف ونار الشوق بين جوانحي )
( ولكنه لم يكفني فيض مقلتي ) * على ماضيات من ذنوبي فواضح
ولما رأيت العين لم يكف وبلها * ( دخلت لأبكي من جميع جوارحي )
وليس خضاب ما بكفي وإنما * مسحت به دمع العيون السوافح
قلت : أجاد بهذا يستدل على فضله في الشعر وتصرّفه .
وكان لما كتب إليّ نسبه المذكور كتب بعده من شعره بعد أن ذكر ما مضى من أيامه :
مضت وتقضّت مثل أحلام نائم * ولم أكتسب دارا بها لي باقيا
وجاوزت من بعد الأشد ثمانيا * وست سنين أطعمتني الدواهيا
فيا ربّ توفيقا أنلني لعلّني * أنال به منك الرضى والأمانيا
وكن غافرا قبل الممات لزلّتي * وكن لذنوبي بالتفضل ماحيا
أنا العبد عبد السوء لست بجاحد * أطعت هوى نفسي وما زلت عاصيا
وقصّرت في شكري لنعماك شاكرا * بجهلي وعمّا يوجب الفوز لاهيا
عصيت على علم فماذا أقوله * إذا أنا في حشري أجيب المناديا
فقال لي الرحمن جلّ جلاله * وقد خدّ دمعي في خدودي مجاريا
علمت ولم تعمل وجاهرتني بما * أتيت وجانبت الصواب تجاريا
هنالك لا يجدي التأسّف والبكا * ولا عذر لي إن قلته كان واقيا
سوى إنني أرجوه يعفو تفضلا * وما خاب من للّه قد كان راجيا
وبالخمسة الأشباح أطلب عفوه * ومغفرة منه تغطي المخازيا
هموا شفعائي يوم حشري وفاقتي * وودّهم ذخر ليوم التناديا
وله أشعار لا تحصى في كل فن .
وكان بينه وبين القاضي الأديب شاعر اليمن الحسن بن علي بن جابر الهبل « 1 » كمال الاتصال والوداد والمشاعرة ، وهو الذي جمع فرائده ونظّم قلائده
هامش
( 1 ) ترجمه المؤلف برقم 46 .