وأنشدني أيضا رحمه اللّه تعالى :
لا لا أميل إلى ما رقّ من غزل * ولا إلى أهيف كالبدر في الحلل
ولا إلى غادة كالشمس طلعتها * والغصن قامتها مسحورة المقل
ولا إلى خمرة من كف ذي هيف * مخلوقة قبل خلق السهل والجبل
من ذا ومن هذا وذا أبدا * حب الإمام أمير المؤمنين علي
حسبي بحبّي له فخرا علوت به * حتى تحاشيت أن أمشي على زحل
أذكرني قوله : « مخلوقة قبل خلق السهل والجبل » قول الشيخ سراج الدين عمر بن علي الفارض في ميميته :
شربنا على ذكر الحبيب مدامة * سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
فالظاهر محال ، لأن الخمرة من الكرمة ، لكنه أراد اصطلاح أهل الحقيقة في المسكر بحب اللّه تعالى ، وأبو نؤاس لم يرد إلّا القدم بقوله :
واسقني البكر التي اعتجرت * بخمار الشيب في الرحم
لأن الشيب إنما يعرض لمن طالت مدّته ، فهذه إذا طالت إقامتها في الرحم حتى شابت فما الظن بها بعد الخروج منه وتعاقب الليل والنهار بقمره وشمسه . وقيل اختلف أهل الأدب فيما عناه أبو نؤاس بحضرة هارون الرشيد ، فأشار الأصمعي بسؤال أبي نؤاس عن إرادته فهو أعلم ، فسئل فقال : أردت إن الكرم أول ما يخرج الزرجون يكون عليه بياض فلمحت إليه ، وذكر الأطباء أنه لا يجوز استعمال الخمرة لمستحلها إلّا لمدّة أقّلها أن يمضي عليها بعد العصر أربعون يوما ، وإلّا أرخت المعدة وولّدت الرياح إلى القولنج وموت الفجأة وملأت الرأس بخارا ، وأحسن ما عتقت ثمان سنين ، وأكثره ثمانون سنة وما بينهما الحالة الوسطى ، ولاستعمالها شروط ذكرت ، وما أحسن قول أبي بكر الخوارزمي « 1 » :
وصفراء كالدينار ، بنت ثلاثة : * ثمال وأنهار ودهر محرم
مسرة محزون وعذر معربد * وكنز مجوسيّ وفتنة مسلم
ممات لأحياء ، حياة لميّت ، * وعدم لمن أثرى ، وثروة معدم
هامش
( 1 ) ترجمه المؤلف برقم 158 .