المنصور ، ولما توفي المنصور باللّه بشهارة والدولة والشوكة بأكثر بلاد اليمن لنوّاب السلطان ابن عثمان صاحب الروم ، وبينهما أعني الإمام والأروام صلح أشار القاضي بتولية ولده المؤيد لكماله في شروط الزيدية فبايعوه ، وكان فيما رآه الخير ، فإن الدولة الرومية انهزمت عن اليمن في أيامه بيمنه وتدبيره وعساكره وآخرهم حيدر ، خرج بعد انحصاره بصنعاء مدة بما أراد من ذخائره ، وسيّر المؤيد ولده علي بن المؤيد خفيرا له إلى أطراف اليمن ، ولما أحسن المؤيد إلى حيدر وأراه ما لم يحتسب من الجميل والتعظيم بعد اجتهاده في حربه انقلبت عداوة حيدر للإمام ودّا ، حتى أنه لما سافر إلى الشام وقد نهب الأمراء خزائنه في زبيد جاء كتابه إلى المؤيد مع رسول له يسأله إمداده ويشكو حاله ، فأنفذ إليه الإمام ستة آلاف قرش وخلعا ، وخلع على رسوله وأعطاه أربعمائة قرش ، وخرج أيضا بعد حيدر قانصوه ، وكان في زبيد ، وانقطعت عساكر الروم من اليمن بعد ذلك ، وكان القاضي أعزّ الناس عند المؤيد .
وروى عنه وعن والده المنصور ، وكتب رسالة من إنشائه وجهها المؤيد باللّه إلى شاه عباس الصفوي الحسيني سلطان الممالك العجمية ، وهي نظم ونثر ، وأوّلها بعد تحريض على الاعتضاد :
وكيف وفيكم للآله حبالة * وما لحبال اللّه في الخلق قاصم
وفيكم دلالات لقوم يذكروا * وعلمكم للعالمين مراهم
وعمّا قليل يظهر اللّه مرشدا * تزول به في العالمين المظالم
يعني المنتظر عليه السّلام ، وهي طويلة .
ثم توفي المؤيد باللّه وقد صفى له اليمن كله ، وما بقي من الروم أحد ، وفي أكثر ما دار بينهم من الوقائع لا يخلو القاضي عن شعر يهنىء به ، فأشار بتولية أبي طالب أحمد بن المنصور ، بايعه الأعيان بشهارة وما يليها ، ثم لم يقع اتفاق على أمره وحصلت حروبا وبويع المتوكل إسماعيل بن المنصور فخدمه القاضي أيضا وكتب له وعمّ به النفع لوفور دينه وحسن سعايته .
وسمعت أن المتوكل كان واجدا عليه في الباطن لمبايعة أخيه أبي طالب ، ولا يبعد ذلك ، وكان زاهدا مع تمكّنه في الدولة ، قانعا باليسير ، وعليه قرأ والدي رحمه اللّه تعالى ، وبه تخرّج ، ولقد رأيت بخطّه عدّة ما قرأ عليه من فنون العلم ، وقد ذكر أسماءها ، ولو ذكرتها هنا لطال الكلام ، وله منه الإجازات العامة .