بالتعطيل وتعمل تلامذته وغيرهم على لسانه الأشعار يضمنونها أقاويل الملحد ، قصدا لإتلاف نفسه ، وفي ذلك يقول :
حاول أهواني قوم فما * واجهتهم إلّا بأهوان
لو استطاعوا لوشوا بي إلى * المرّيخ لاشهب كيوان « 1 »
وله قصة غريبة دلّت على تمكّنه من أسرار الكواكب وعلم الفلك ، وقد وعدت بإيرادها وهي ما حكاه الأمام أبو حامد الغزالي في كتابه : « سر العالمين وكشف ما في الدارين » .
وحكاه أيضا ابن أبي أصبيعة « 2 » في كتابه « الأنباء في تأريخ الأطبّاء » : إن وزير محمود بن صالح الكلابي صاحب حلب .
وذكر الغزالي : إن القصّة وقعت لمرسل السلطان محمود بن سبكتكين والظاهر إن كلام ابن أبي أصيبعة « 3 » أصح لأن المعرّة من عمل حلب وشي إليه أن المعرّي زنديق لا يرى إفساد الصور ، ويزعم أن الرسالة تحصل بصفة العقل ، فبعث محمودا على طلبه وأرسل خمسين فارسا ليحملوه إليه ، فلما وصلوا إليه نزلهم بدار الضيافة وأكرمهم ، فدخل عليه عمّه مسلم بن سليمان وقال : يا بن أخي قد نزلت بنا هذه الحادثة ، الملك محمود يطلبك ، فإن منعناك عجزنا ، وإن سلّمناك كان عارا علينا عند ذوي الذمام ، فقال : هوّن عليك يا عم ، فلا بأس علينا ولا سلطان ، ثم قام فاغتسل وصلّى نصف الليل ، ثم قال لغلامه : انظر إلى المرّيخ أين هو ؟ ، قال : هو في كذا وكذا ، قال : زنه واضرب تحته وتدا ، واجعل في رجلي خيطا إربطه إلى الوتد ، فسمعناه يقول : يا قديم الأزل ، يا علّة العلل ، يا صانع المخلوقات ، وموجد الموجودات ، أنا في عزّك الذي لا يرام ، وكنفك الذي لا يضام ، الضيوف الضيوف ، الوزير الوزير ، ثم ذكر كلمات لا نفهم ، وإذا بهدّة عظيمة ، فسألنا عنها فقيل الدار وقعت على الضيوف ، فقتلت الخمسين ، وعند طلوع الشمس وقعت بطاقة من حلب على جناح طائر : لا تزعجوا الشيخ فقد وقع الحمام على الوزير .
هامش
( 1 ) الوافي بالوفيات - ط المستشرقين 7 / 100 .
( 2 ) عيون الأنباء في طبقات الأطباء .
( 3 ) في الأصل : « ابن أبي صبغة » وما أثبتنا من المراجع الأخرى .