رأيت أعمى شاعرا ظريفا يلعب بالشطرنج والنرد ، ويدخل في كل شيء من الجدّ والهزل ، يكنى أبا العلا ، وسمعته يقول : أنا أحمد اللّه تعالى على العمى ، كما يحمده غيري على البصر .
قلت : والشاهد قوله :
قالوا : العمى منظر قبيح * قلت : بفقدانكم يهون
واللّه ما في الوجود شيء * تأسّى على فقده العيون
قال : وهو من أهل بيت علم ورئاسة وفضل ، وحوله جماعة من أقاربه قضاة وعلماء وشعراء ، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشر سنة واثنتي عشرة ، ورحل إلى بغداد سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة ، وأقام بها سنة وسبعة أشهر ، ودخل على الشريف أبي القاسم الموسوي فعثر برجل ، فقال : من هذا الكلب ، فقال أبو العلاء : الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما ، فسمعه المرتضى فأدناه واختبره فوجده عالما مشبّعا بالفطنة ، فأقبل عليه إقبالا كثيرا .
والنكتة التي إليها في ترجمة المتنبي لأبي العلاء مع المرتضى هي أن أبا العلاء كان يتعصّب للمتنبي ، والمرتضى ينتقصه ، فجاراه يوما وعندهما جماعة من أهل الأدب مختلفين فيه ، فقال أبو العلاء : لو لم يكن للمتنبي إلّا القصيدة التي أوّلها :
لك يا منازل في القلوب منازل * أقفرت أنت وهنّ منك أواهل
فأمر المرتضى بإخراجه ، وقال : أتدرون ما أراد الأعمى ؟ إنما أراد قوله منها :
وإذا أتتك مذمتي من ناقص * فهي الشهادة لي بأني كامل
وكان قد ارتحل إلى طرابلس قبل رحلته إلى بغداذ ، وكان بها خزائن علم موقوفة ، فأخذ منها ما أخذ من العلم ، واجتاز باللاذقية ونزل ديرا كان به راهب عالم بأقاويل الفلاسفة فأخذ عنه ، فلذلك أنكر منه بعض قوله ، وبعد عوده من بغداد لزم بيته وسمّى نفسه رهين المحبسين يعني البيت والعمى .
وذكر تلميذه أبو زكريا التبريزي : أنه كان قاعدا في مسجده بمعرّة النعمان بين يدي أبي العلاء يقرأ شيئا من تصانيفه قال : وكنت قد أقمت عدّة سنين ولم أر