إن الليالي لا يدمن على المدى * تعب الحزين ولا هنا المتنعّم
والدهر في أطواره متلاعب * بالناس في حالاته كالأرقم
متستّر يبدي الصداقة للورى * في ضمنها غدر الحقود المكتم
فلو اعتبرت بعين فكرك فعله * ما كنت للآثام بالمتقحّم « 1 »
هب من زمانك للتّفكّر برهة * فالعيش عيش العارف المستفهم
كنت الجدير بنصح نفسك لو تعى * وعظ الزمان من القضاء المبرم
إنّى لأصبر للخطوب تجلّدا * بسكون جأش مثل جأش الضّيغم
وألاقها بمجنّ زهدى دارعا * في حصن صبر ليس بالمتهدّم
وأقحّم النّفس الشّدائد والبلا * يوم الهياج أقول دونك فاقدم
قلّ الكريم بنفسه وبماله * لهوى الصديق وكان كالمستعدم
فعن المصائب لا تكن مستخبرا * في الناس قطعا لا بكيف ولا لم « 2 »
تعسا لفعل النّائبات وما جنت * من قبح ذنب فوق ذنب المجرم
خطب لو اعتبر اللّبيب مصابه * أذرى دموع العين من قانى الدّم « 3 »
هذا المحبّى قد قضى وكماله * ملء البلاد من الثّناء الأعظم
فرع نماه من المعالي محتد * زاكى الجدود إلى الفخار الأقدم
أعيى الزمان بكلّ معنى نادر * بالاقتراح كغرّة في أدهم
ومضى كريم النفس غاية إربه * جمع الكمال عن الحطام المحطم
بنقىّ عرض طاهر ما شانه * دنس البخيل وعاش غير مذمّم
حكم كمنبلج الصباح إضاءة * متنضّدات مثل نظم الأنجم
هامش
( 1 ) تقحم الأمر : رمى نفسه فيه بمشقة وشدة .
( 2 ) كسر ميم : « لم » لحركة القافية .
( 3 ) في الأصول : « أذرى ودمع » ، والصواب ما أثبته .