تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الثقافة العربية ) — صفحة 619

مساهمون:

ص٦١٩
قال أبو الحسن المصرىّ : إنّى نشأت بمصر السعيدة ، حامدا ربّى على أيّامها الحميدة . قرير العين ، كثير العين « 1 » . ليس لي حرفة ولا حيلة ، إلّا تتبّع آثار ذوى الصّنائع الجليلة . فجدّيت في الطّلب ، وما أخطأت الأدب . حتى علوت ذروة كلّ صناعة ، وحويت رأس مال كلّ بضاعة . فما رأيت من كل ذلك إلّا النّقصان ، وما استفدت من المتاجر إلّا الخسران . وكان من جملة ما خدمت أساتيذه ، وتتبّعت دلائله وأسانيده . الفنون الأدبيّة ، والعلوم الفقهية . حتى صار لي ملكة في الأخذ من الأسانيد والدّلائل ، وقدرة على كتب الحواشى وتحرير الرّسائل . خصوصا فنّ الكتابة والإنشا ، إذ بهما يكون للمرء ما يشا . ثم خلج في خلدى الرّحلة إلى بلاد الرّوم ، لأتمّم بها طلب العلوم . فلما منّ اللّه تعالى علىّ بدخولها ، واجتمعت بعلمائها وفحولها . فإذا هم غارقون في بحور النّعم ، معروفون بالجود والكرم . وكنت في بعض الأيام ، أتردّد على صدورها العظام . تارة بما استطعت من قصيدة نظمها بديع ، وأخرى برسالة عقود ترتيبها مرصّعة بالدّرّ الصّنيع . وكان دأبى تتبّع آثار المتقدّمين ، لأن ما قدّموه لا يتّهم ككلام المتأخّرين . ومن العادة ، أن أهل كلّ صناعة ، يكرمون القادم عليهم من أهلها بحسب الاستطاعة . فأكرمونى بحسب استطاعتهم ، وجادوا علىّ بقدر مروءتهم . فأعطونى مدرسة ، كانت عاقبتها علىّ فقرا ومنحسة . فكنت أكثر الأيام ، لا أذوق الطّعام .
هامش
( 1 ) العين : الذهب .