قال أبو الحسن المصرىّ : إنّى نشأت بمصر السعيدة ، حامدا ربّى على أيّامها الحميدة .
قرير العين ، كثير العين « 1 » .
ليس لي حرفة ولا حيلة ، إلّا تتبّع آثار ذوى الصّنائع الجليلة .
فجدّيت في الطّلب ، وما أخطأت الأدب .
حتى علوت ذروة كلّ صناعة ، وحويت رأس مال كلّ بضاعة .
فما رأيت من كل ذلك إلّا النّقصان ، وما استفدت من المتاجر إلّا الخسران .
وكان من جملة ما خدمت أساتيذه ، وتتبّعت دلائله وأسانيده .
الفنون الأدبيّة ، والعلوم الفقهية .
حتى صار لي ملكة في الأخذ من الأسانيد والدّلائل ، وقدرة على كتب الحواشى وتحرير الرّسائل .
خصوصا فنّ الكتابة والإنشا ، إذ بهما يكون للمرء ما يشا .
ثم خلج في خلدى الرّحلة إلى بلاد الرّوم ، لأتمّم بها طلب العلوم .
فلما منّ اللّه تعالى علىّ بدخولها ، واجتمعت بعلمائها وفحولها .
فإذا هم غارقون في بحور النّعم ، معروفون بالجود والكرم .
وكنت في بعض الأيام ، أتردّد على صدورها العظام .
تارة بما استطعت من قصيدة نظمها بديع ، وأخرى برسالة عقود ترتيبها مرصّعة بالدّرّ الصّنيع .
وكان دأبى تتبّع آثار المتقدّمين ، لأن ما قدّموه لا يتّهم ككلام المتأخّرين .
ومن العادة ، أن أهل كلّ صناعة ، يكرمون القادم عليهم من أهلها بحسب الاستطاعة .
فأكرمونى بحسب استطاعتهم ، وجادوا علىّ بقدر مروءتهم .
فأعطونى مدرسة ، كانت عاقبتها علىّ فقرا ومنحسة .
فكنت أكثر الأيام ، لا أذوق الطّعام .
هامش
( 1 ) العين : الذهب .