زرقة ، ولكنّ هذا من المبالغات الشّعرية ، التي لا تنخرط في سلك التّحقيق ؛ لكونها مقبولة عندهم ، بل كلّما زاد الشاعر في ادّعاء غير الممكن كان الشعر مستحسنا ، حتّى قيل : لو صدق الشعر لما استحسن .
غير أن هذا وإن كان بعيدا عن الإمكان ، يقرّبه أنّ حالة التّوديع توجب تغيّرا « 1 » في سحنة الوجه ، بحيث يتراءى أنّ فيه زرقة ، فإذا فاضت عليه العبرات ، تلوّنت بلونه ؛ لكونه جوهرا شفّافا ، يتلوّن بلون إنائه .
وهذا له مساس بمقاصد الشّعراء « 2 » وتخيّلات البلغاء ، خصوصا والدمع قد تغالوا فيه ، حتى أخرجوه عن سعة دائرة الإمكان ، « 3 » إلى أوسع مكان « 3 » ، ألا ترى إلى ما تخيّله بعض الشّعراء « 2 » ، في وصفه بالزّرقة حيث قال مخبّرا عن محبوبته :
قالت وقد نظرت لزرقة أدمعى * أكذا يكون بكاء صبّ شيّق
فأجبتها قد مات في جفنى الكرى * فجرت دموعي في الحداد الأزرق
إذا تقرّر هذا ، ظهر لك صحّة الحكم على عبراته بأنها جمعت بين البنفسج ، وهو الدمع الموصوف بما ذكر ، والشّقائق ، وهي الدمع الذي استحال دما ، فأشبه الشقائق في لونها ، من غير نظر إلى عبرات المحبوبة التي لم يكن في سياق الأبيات ما يدلّ على أنها كانت مكحولة ، كما اعترف هو به ، وتكلّف لها جوابا لا يسمن ولا يغنى من جوع .
على أن الدمع المشرب بالكحل لا يحسن أن يشبّه بالبنفسج ، كما هو ظاهر ، فإن البنفسج ، إنما يشبه ما فيه زرقة لا سواد .
وهذا وجه جميل ، له من اللّطافة ما ترى ، وأنت إذا تابعت النّظر يوشك أن يلوح لك وجه آخر .
* * *
هامش
( 1 ) في ا : « تغييرا » ، والمثبت في : ب ، ج .
( 2 ) ساقط من : ج ، وهو في : ا ، ب .
( 3 ) ساقط من : ب ، وهو في : ا ، وحدها .