تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الثقافة العربية ) — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
وقال الآخر في الدمع الأخضر :
وقائلة ما بال دمعك أخضرا * فقلت لها هل تفهمين إشارتى ألم تعلمي أن الدّموع تجفّفت * فأجريتها يا منيتي من مرارتى « 1 »
وقال الآخر في الدمع الأصفر :
وقائلة ما بال دمعك أصفرا * فقلت لها ما حال عن أصل مائه ولكنّ خدّى اصفرّ من سقم الهوى * فسال به واللون لون إنائه
إذا تقرّر هذا ، فنقول : الظاهر أن هذا الشاعر قصد أن عبراته هو اتّصفت في حالة التّوديع ، وذلك المهيع « 2 » الفظيع ، الموجب لنحول الجسد ، وحلول الكمد ، وكسوف البال ، وتغيّر الحال ، وترادف الزّفرات ، وتتابع العبرات ، واضطراب القلب ، واضطرام الصّدر ، وانتهاب الصّبر ، بوصفين : أحدهما ؛ أنها لفرط انصبابها ، وتلاحق تساكبها ، صارت حجابا مانعا ، وسترا حائلا بينه وبين رؤية ما هو بمرأى ومسمع منه ، فبهذا الاعتبار صحّ الحكم عليها بأنها فرّقت بين محاجره التي كان ينظر « 3 » منها ، ومعاجر المحبوبة التي ينظر « 3 » إليها ، وهذا وصف ممكن . والثاني : أن عبراته اتّصفت بلونين متقابلين ، وذلك أنه لفرط بكائه ، وحزنه وعنائه ، في تلك الحالة الحويلة ، التي تخدع العقل وتسحره ، وتملك اللّبّ وتقهره ، وتغلب القلب وتبهره ، فاضت عبراته تارة دما أحمر ، يشبه الشّقائق في لونها ، وهذا قريب من الإمكان ، على ما قيل : إن أصل الدّموع الدّم ، وتارة دما مشربا بزرقة يشبه البنفسج في لونه ؛ وهذا بعيد من الإمكان عادة ، لأن مادّة البكاء إنما تكون من فضول تصعّدت إلى الدّماغ من الرّطوبات المنفصلة عن هذا الجسم ، وليس في لونها
هامش
( 1 ) في ا : « أن الجفون تجففت » ، والمثبت في : ب ، ج . ( 2 ) المهيع : الطريق الواسع . ( 3 ) ساقط من : ا ، وهو في : ب ، ج .