والملخّص أن العبرات التي جرت من هذين في حالة التّوديع ، أوجبت حالة اختصّ بها القائل ، وهي التّفريق المذكور ، وحالة تختصّ بالمقول ، وهي الجمع على الصّفة المذكورة ، وهذا كلّه ظاهر ، متّجه ، لا يرد عليه شئ ، إلّا أنّ الشاعر لم يصرّح في نظمه بأن المتغزّل فيها كانت مكحولة ، حتى يشبّه دمعها الممتزج مع الكحل بالبنفسج .
وجوابه أن يقال : أحال الأمر في ذلك على ما يقتضيه الذّوق السليم ، وأشار إلى ذلك بالتّشبيه المذكور ، فيتلطّف له في هذا القدر .
هذا كلامه ، وأما الطّيبىّ فإنه قال :
يحتمل أن المراد بالبنفسج والشّقائق عارض الرجل وخدّ المرأة ، ويحتمل أنها حين الوداع مزّقت جلدها ، ولطمت خدّها ، أي جمعت بين أثر اللّطم ، وهو شبيه بالبنفسج ، وبين لون الخدّ ، وهو شبيه بالشّقائق ، لكن الثّانى أولى ؛ لأن العارض إنّما يشبّه بالبنفسج عند طريان الخضرة ، وليس في الشّعر ما يدلّ على شباب الخضرة انتهى .
قال الدّمامينىّ : قلت : إنما أنشد في « التبيان » البيتين الأخيرين ، ولم يتكلّم على معنى التّفريق بين المحاجر والمعاجر في الاحتمال الأوّل ، ولم يتقدّم في هذه الأبيات الثلاثة ما يصلح أن يكون معاد الضّمير في « فرّقن » ، و « جمعن » غير العبرات ، وعليه فلا معنى لشئ من الاحتمالين اللّذين أبداهما الطّيبىّ ، وإنما غرّه في جعل الضمير للنّسوة المودّعات كونه لم يظفر بالبيت الأوّل ، وإلّا فلو وقف عليه لتبيّن أن العبرات هي مرجع الضمير قطعا ؛ فإنه لا وجه بعد ذلك لنسبة التّفريق والجمع للنّسوة التي لم يجر لهنّ ذكر .
إلى هنا كلامه ؛ فإنّك تراه كيف بيّن جهات الخلل في كلام صاحب « التّبيان » ، بما لا يمترى فيه من ذوى الفطرة إنسان .
وهذا ما ظهر لنا من الجواب ، الجاري على منهج الصّواب ، فنقول :
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الثقافة العربية ) — صفحة 577
مساهمون: محمد أمين المحبي
ص٥٧٧