وها نحن نذكر نصّ الجوابين ، ليظهر لك ما قلناه بغير مين ، ونذكر ما ظهر لنا من الجواب ، الذي هو أمسّ رحما بضوء من الآداب .
قال البدر :
الظّاهر أن الشاعر قصد أن عبراته في حال الوداع حجبت نظره عن رؤية الظّبية الموصوفة ، وحالت بينهما ، فحصل بذلك تفريق العبرات المذكورة بين محاجره التي كان ينظر منها ، وبين المعاجر التي كان ينظر إليها .
وقد وصف بعض الشعراء الدمع بكونه حائلا بين العين والرّؤيه ، كقول بعضهم :
وحالت دموع العين بيني وبينه * كأن دموع العين تعشقه معي
وقال ابن منهال ، أحد شعراء إفريقيّة :
إذا بدا حال دمعي دون رؤيته * يغار منّى عليه فهو برقعه
وقول أبى الحسين بن سقر ، شاعر المريّة « 1 » ، في دولة بنى عبد المؤمن :
وقفت وقفة الوداع وقالت * ليت شعري متى يكون الرّجوع
فبكينا خوف الفراق فحالت * بيننا قبل أن نبين الدّموع « 2 »
وأما دمعها هي ، فإنه إذا اختلط بكحل عينها ، أشبه البنفسج من حيث اللون ؛ وباعتبار جريانه على الوجنات حصل الجمع بين البنفسج وهو الدمع المذكور ، وبين الشّقائق وهي الخدود .
وقد شبّه بعض الأدباء البنفسج بالكحل الممتزج بالدّمع ، حيث قال :
بنفسج حميت أزهاره فحكى * كحلا تشرّب دمعا يوم تشتيت « 3 »
فلا بدع إذن في تشبيه الدمع ، الذي هذه حالته بالبنفسج ، ووجه الشّبه ما قلناه .
هامش
( 1 ) المرية : مدينة كبيرة من كورة البيرة ، من أعمال الأندلس . معجم البلدان 4 / 517 .
( 2 ) في ب ، ج : « أن تبين » ، والمثبت في : ا .
( 3 ) في ا : « حميت أزهارها » ، والمثبت في : ب ، ج .