فذا أصفى قطرا وديمة ، وذا أوفى قدرا وقيمة .
وكان في آخر أمره تنبّه حظّه من نومته ، وسيم من الإقبال التّام بسومته .
فولى قضاء الشام ، ونال رتبة يتباهى بها العزّ والاحتشام .
وقد رأيته يوم دخوله ، وزحمة الأعين تحول بين التملّى ووجهه ، فرأيت شيخا إذا سار البدر في موكب نجومه ، قيل قد غنينا عنه بتلهّبه .
وقد أخلق العمر عمائم ثلاثا في رأسه ، وأشعل للرحيل بهذه النّعشة ذبالة نبراسه .
ولم يبق من كأس عمره إلا جرعة ، وبريد المنيّة سائر إليه في عجلة وسرعة .
فما حطّ أثقاله بهذا الفنا ، حتى نزل دار البقا وترك دار الفنا .
فاللّه ينوّر له الحفيرة والتّربة ، وهو المسؤول أن يؤنس له الوحشة والغربة .
* * * وهذا جانب من نثره الفائق ، ونظمه الرائق .
أتيت منه بالقليل من الكثير ، فإن محاسنه تزيد على نجوم الفلك الأثير .
فمن ذلك ما كتبه إلى مفتى الدولة « 1 » :
دروع لشاكى الطعن هذى الرسائل * يردّ بها عن نفسه ويشاغل « 2 »
هي الزّرد الضّافى عليه ولفظها * عليك ثناء سابغ وفضائل
أتاك يكاد الرأس يجحد عنقه * وتنقدّ تحت الذّعر منه المفاصل
هامش
( 1 ) الأبيات الثلاثة التالية للمتنبى ، وهي في ديوانه 364 ، 365 .
( 2 ) في ديوان أبى الطيب :
* دروع لملك الروم هذى الرسائل *