فقل للذي جاءت بنان بيانه * بزخرف لفظ قدسبا كلّ ذي حجر « 1 »
لئن وردت نهر البيان عصبة * فأنت الذي قد خضت من ذاك في بحر
وإن هبطت مصر البلاغة عصبة * فيوسف قد أضحى العزيز على مصر
قال : هذا هو النظم الذي لو رامت البدور أن تحاكيه لظهر عليها أثر التكلّف ، أو دعيت الأقلام إلى رقمه لسعت إليه على رأسها وما جنحت إلى التخلّف .
أو همّت الرّاح أن تشابهه في تجديد اللّذات لقلنا لها هذا مما لا يدركه العتيق ، أو التمس أحد شقيقا للرّياض لقالت له وأبيك مالي غير هذا النظم من شقيق .
أو تغلغل فكر ابن بحر « 2 » في طرف من محاسنه غرقت فيه أواخره ، أو تجلّى طرسه للأفق غارت من شموس معانيه زواهره .
فلله درّ ناظمه من فصيح لم يزل لحلى السّطور لا الصّدور صائغا ، ومن بليغ يكون الكلام دونه أجاجا فإذا انتهى إليه تلقّى طيبه فصار فراتا سائغا .
* * * ومما جمعه من ثمر نظمه في تلك الأوراق ، وأطلق يراعته لرقمه فغدا مشكورا على الإطلاق .
قوله في ورقا ، رقت من الدّوح ورقا « 3 » ، ورقّت لها القلوب لما رقّت نفسها خوفا من الجنون وما أكيس من رقّى نفسه ورقى :
ما للمشوق مجيب في دجى الغسق * سوى الصّدى وهديل الورق في الورق
يا قوم لو كان للورقا شجون شج * ما صفّقت من سرور طلعة الفلق
ولو لها فقدت إلفا لما خضبت * كفّا ولا جعلت طوقا على العنق
هامش
( 1 ) الحجر : العقل .
( 2 ) يعنى أبا عثمان عمرو بن بحر الجاحظ .
( 3 ) يعنى ورق الأغصان .