فيها بمصر ، فأنشدني قوله فيه : « لا تكثر الأموات » إلخ ، ثم لم يزل يكرّره ويبكى حتى مات .
وروى السّلمىّ في حكايته : « فجعت » مكان « شقيت » .
ويشهد لقول الواحدىّ ، البيت الذي بعده « 1 » ، فإنه مناسب للمعنى الذي ذكره .
ثم يساعد الأول ، معاني الأبيات التي قبله ، من وصف عموم كرمه وإحسانه للناس ، فناسب أنهم يشقون بفقده ، ويكادون يموتون من بعده . فليتأمّل .
وقال الواحدىّ ، في تفسير قوله : « كثرة قلة » ، « 2 » أي : كثرة في الأموات تحصل عن قلة « 3 » الأحياء .
ولا يخفى ما في هذا المعنى من كثرة السّماجة ، وقلّة الجدوى ، وتحصيل الحاصل ، من غير دليل يدلّ على أن كثرة الأموات مضافة إلى قلّة غيرهم .
ولو أريد بالقلّة العدم ، كما هو شائع واقع في الكلام الفصيح ، لكان أقرب ، إذ كثرة الأموات في الحقيقة عدم محض ، وصحّ ذلك على كلّ من قولي ابن جنّىّ والواحدىّ .
ولو أريد بالقلّة الإقلال ، وقلة الجدوى ، كما يقال : مات فلان من القلة ، أي الفقر ، بمعنى أنهم ماتوا من الإقلال حين انقطعت عنهم مكارمه ، لأمكن أيضا .
وهذا الوجه إنما يجرى على قول ابن جنّىّ ، ولا بعد في ذلك ، إذ الظاهر أن خطاب الممدوح بمثل ذلك لم يكن مستهجنا عند المتقدّمين ؛ لظهور حقيقة تيقّن الموت ، ألا ترى إلى قول أبى نواس ، في آخر قصيدته التي قالها في تهنئة جعفر البرمكىّ « 4 » :
هامش
( 1 ) وهو قوله :والقلب لا ينشقّ عما تحته * حتى تحلّ به لك الشحناءديوان أبى الطيب 118 ، وشرح الواحدي 199 .
( 2 ) الذي في شرح الواحدي : « أي كثرة تحصل عن قلة ، وهي قلة الأحياء » .
( 3 ) في ب بعد هذا زيادة : « تحصل » ، والمثبت في : ا ، ج .
( 4 ) ديوان أبى نواس 74 .