ونقشت في فصّى الزمان بدائعا * تزرى بآثار الرّبيع الممرع
وحويت ما تكنى به طرّا فلم * تترك لغيرك فيه بعض المطمع
غير أن هذا العبد بعد البعد عن المقام ، ألمّ به بعض إلمام .
وهو أن خطأ هذا المحبّ إذ « 1 » قاد نفسه لحتفه في هوى هذا الحبيب البعيد المنال « 2 » ، القريب الوبال ، بحسن الدلال ، كما قال من قال ، وأحسن في المقال :
علمت أن العيون السّود قاتلتى * وأنّ عاشقها لا زال مقتولا « 3 »
وقد تعشّقتها طفلا على خطاء * ليقضى اللّه أمرا كان مفعولا
فكأن هذا الحبيب طلب هذا المحبّ لمجلس قاضى الهوى ، وديوان أهل الجوى .
وادّعى عليه ، وأحضر حجّته وشاهديه .
وقرّر في دعواه ، بحضرة هذا الصّبّ الذي يهواه .
أنه قد وقع في إقدامه لمحّبتى على خطأ لا صواب ، كيف لا وهو لا يذوق الأرى « 4 » إلا بعد الشّبع من الصّاب .
ولا يمكنه القرب إلا بعد البعد الطويل ، ولا الوصل إلا بعد فراقه لكلّ خليل .
وهذا خطب جليل ، صاحبه إن لم يمت فهو أبدا عليل .
يكابد الأشجان بالليل والنهار ، وبعد ذلك إمّا إلى جنّة وإمّا إلى نار .
وقلّ محبّ يحصل على حبيبه إلا بعد هذه الأهوال ، وإنفاق الرّوح فضلا عن الأموال .
هامش
( 1 ) في ب : « إذا » ، والمثبت في : ا ، ج .
( 2 ) في ب : « المثال » ، والمثبت في : ا ، ج .
( 3 ) في ب ، ج : « ما زال مقتولا » ، والمثبت في : ا .
( 4 ) الأرى : العسل .