فدقّ ذلك الأديب على طاس حتّى روى غلّة الصّدر ، فسأله الأمير عن سرّ ذلك ، فقال : هذه عادتنا إذا خسف البدر « 1 » .
* * * وأبدع من ذلك وأطرب ، ما حكاه العمرىّ « 2 » شيخ الأدب « 3 » .
أنه كان بدمشق في بيت قهوة ، مقيما لرسم حظّ ونشوة .
وإلى جانبه أديب يأنس الفكر بآدابه ، ويتعلّق الظّرف بأهدابه .
وبينهما حديث يفاوح زهر الرّبى ، ويطارح نغم حمام الأيك مطربا .
إذا ببدر حسن فارق فلكه ، وسقط لا يدرى أىّ مسلك سلكه .
حتى إذا دنا منهما وقف واستوقف ، واختلس الألباب جذبا إليه وما توقّف .
فطفقا يسرّحان في محاسنه المعاني ويجيلان « 4 » الألفاظ ، وبحكم الهوى يمدّان الأيدي ويشيران بالألحاظ .
فما ردّدا وجها ولا عطفا ، ولا جنيا وردا بالّلحظ ولا قطفا .
حتى غشيهما شخص مهول المنظر « 5 » في ذاته ، إذا رأى الطّرف شخصه ، أحال اللّه بينه وبين لذّاته .
فحال بينهما وبين ذلك البدر التّمام ، وحجبه عنهما كما يحجب البدر الغمام .
فقال ذلك النّديم : هذا خسوف عسى اللّه يؤذن بزواله ، ونسأله أن يدفع عنّا عقبى مصائبه وأهواله .
ثم نظرا إلى « 6 » ذلك الشّخص وقد كشف رأسه ، فإذا هو أقرع كأنّما « 7 » رأسه طاسه .
هامش
( 1 ) في ب : « القمر » ، والمثبت في : ا ، ج .
( 2 ) يعنى أبا بكر العمرى ، الذي تقدمت ترجمته برقم 1 ، صفحة 22
( 3 ) ذكر المحبي هذه القصة أيضا ، بطريق أوضح ، في خلاصة الأثر 3 / 226 .
( 4 ) في ا : « ويحيلان » ، وفي ج : « ويخيلان » ، والمثبت في : ب .
( 5 ) في ا : « الشكل » ، والمثبت في : ب ، ج .
( 6 ) في ب ، ج : « في » ، والمثبت في : ا .
( 7 ) في ب : « كأن » ، والمثبت في : ا ، ج .