الدهر بحقوقه ، ولم يشب برّه بعقوقه . فاخضرّت بالإدرارات أكنافه ، وتجمّلت أنواع رعيه وأصنافه . إلّا أنه عارضه الأجل في طريقه ، وأغصّته إذ ساغت له أمانيه بريقه .
فقبضه الله بالشام إليه ، فلا زالت رحمة الله منهلّة عليه . قال سبطه ابن معصوم : ولا يحضرني الآن من شعره غير ما رأيته منسوبا إليه بخط سيدي الوالد : [ الطويل ]
عتبت على دهري بأفعاله التي * أضاق بها صدري وأضنى بها جسمي
فقال ألم تعلم بأن حوادثي * إذا أشكلت ردّت لمن كان ذا علم
وهذان بيتان لا يشيّد مثلهما إلّا من شاد ربوع الأدب ، وسارع لاقتناص شوارد القريض وانتدب . وهما نموذج براعته وبلاغته ، واقتداره على سبك إبريز الكلام وصياغته . وقد صدّرتهما وعجّزتهما ، فقلت : [ الطويل ]
عتبت على دهري بأفعاله التي * براني بها بري السّهام من الهمّ
ليصرف عني فادحات نوائب * أضاق بها صدري وأضنى بها جسمي
فقال ألم تعلم بأن حوادثي * وأخطارها اللاتي تلمّ بذي الفهم
يضيق بها ذو الجهل ذرعا وإنما * إذا أشكلت ردّت لمن كان ذا علم
294
- ولده عبد الجوّاد
فاضل البيت بعد أبيه النّبيه ، وأشبه من تصدّر في مركز العزّة فقيد المثيل والشّبيه .
اشتملت عليه دولة آل الحسن ، اشتمال الفم على اللّسان ، والمقلة على الإنسان . وقامت فضائله في رياض محامدها تلو آية البيان ، بما تردّد بين السمع والعيان . وهو أديب عرف بكمال الفطنة من حين المهاد ، وله خلال كلّها روض قريب العهد من صوب العهاد :
[ الرجز ]
فتى صفت من القذى موارده * وانتثرت في روضه فرائده
هامش
( 294 ) - هو عبد الجواد بن محمد بن أحمد المنوفي المكي الشافعي الأديب اللوذعي كان فاضلا أديبا حسن المذاكرة ، أخذ بمكة عن علمائها وولي بها مدرسة ورزق بعض معلوم من الروم فتعصب عليه جماعة ومنعوه من ذلك فرحل إلى مصر وأقام بها وكان أبوه حيا وكان له في مبدأ أمره ثروة وغناء فتضايق ولم يقر له بمصر قرار دون أن سافر إلى الروم فصحبه والده هذا ثم رجعا فمات والده بالشام فتكدر حاله ثم لحق بالحرم المكي فتقدم عند الشريف وبلغ رتبة عالية .
وقد ذكره السيد علي بن معصوم في السلافة فقال في وصفه : جواد علم لا يكبو ، وحسام فضل لا ينبو ، سبق في ميدان الفضل أقرانه ، واجتلى من سعد جده ومجده قرانه ، وولي القضاء مرة بعد أخرى فكسى بمنصبه شرفا وفخرا ، ثم تقلد منصب الفتوى فبرز فيها إلى الغاية القصوى مع تحليه بالإمامة والخطابة والهمة التي ملأ بها من الثناء وطابه ، إلى أن دعاه ربه فقضى نحبه .
وكانت وفاته خامس شوال سنة ثمان وستين وألف بالطائف ودفن بقرب تربة ابن عباس . ا . ه .
خلاصة الأثر ( 2 / 303 ) .