لقد آنس الله البلاد وأهلها * وطابت به في الأرض مصر المناهل
وأشرقت الآفاق من نور فضله * وسارت به للسّالكين رسائل
وشاهد أهل الحقّ فيه عناية * تسامت بها أفعاله والعوامل
تملّك غايات العلوم فلم يزل * ضليعا بأعباء الهدى منه كاهل
عطوف رؤوف ذو حنان ورحمة * تشرّف بالتوفيق منه المواصل
إمام الهدى غيث النّدى مذهب الرّدى * عن الناس إن صالت عليهم صوائل
مجلّي عمايات الضّلال بهمّة * مؤيّدة يصمي بها من يجادل
ومرشد أرباب القلوب إلى الهدى * بأفضل رشد منه تشفى الغلائل
ومسقي النّدامى من سلافة سرّه * شرابا طهورا للعقول يثامل
فقاصد سامي سوحه غير خائب * يبثّ الثّنا لا يعتريه تشاغل
وفي نفحات الأنس عين حقيقة * فمن أمّه نال الذي هو آمل
تراه إذا يمّمته متهلّلا * بأنواع ترحاب لها البشر باذل
هو البحر إن حدّثت عن معجباته * ضعفت عن استيعاب ما أنت ناقل
فأمواجه نحو وصرف ومنطق * ولجّته التاريخ والشعر ساحل
إذا صاغ شعرا جاء درّا منضّدا * وخالص إبريز المعاني سلاسل
همام له في كلّ فنّ مؤلّف * بأوضح معنى ليس فيه تداخل
وألّف تاريخا همى جود مزنه * على علماء العصر كالغيث هاطل
وأودع سرّ الجمع في طيّ نشره * ففاحت بروضات العلوم المنادل
لقد صار كهفا للمشايخ شامخا * بساحته للطّالبين منازل
وأفصح عن فرق وجمع وهيئة * به فزهت غدواته والأصائل
وأعرب عن أسمائهم وصفاتهم * وأنسابهم والأخذ عمّن يخالل
وقد صرّح الأثبات عن خبره بما * يحدّث عن صدق الذي هو قائل
ومن أعجب الأشياء صحّة نقله * ولم يرهم طرّا فكيف التّواصل
وقد حارت الأشياخ في حسن صنعه * وكلّ لميثاق المودّة حامل
ولاذت به أهل العروض لأنه * خبير بما قد دوّنته الأوائل
عليم بأقسام الكلام مؤرّخ * أمين شريف صادق الوعد عادل
له شرف يسمو السّماكين رفعة * وأوصاف صدق حار فيها المجادل
إمام له في كلّ علم مكانة * بصحّة إسناد عن الثّبت ناقل
وحسبك في تحقيق ما أنا ذاكر * فعن مثله في الناس تروى المسائل
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 334
مساهمون: محمد أمين المحبي
ص٣٣٤