وردوا عليّ واحدا بعد واحد ، وطلبوا منّي أن أستخرج من أبكار الفكر ، بنات ذهن مكلّلا جيدها بعقود جواهر الفقر . فقلت : لساني يعجز في ترجمته عن بلوغ قدره ، ولو قال مهما قال لم يقم بواجب حقّه طول عمره . فقالوا : لا سبيل إلّا أن تصيغ درر المعاني ، عقدا نضيدا يبهر منه لبّ المعاني . وألزموني الحجّة ، ولم أر للمندوحة محجّة . وقد شرعت فيما راموه ، وجادت القريحة بما طلبوه . وقفّيت مقاطيع هي عن الغاية كاسمها ، وأبياتا خاوية ما تساوي الوقوف على رسمها . ولكن على عجزي وقدرته ، وقلّي وكثرته . أطمع في عفوه أنه ينضّد لها من إبريز فضله سلكا ، ويقابل أعمى الحظّ الذي
عَبَسَ وَتَوَلَّى
[ عبس : 1 ] ،
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى
[ عبس : 3 ] . وأسأله الصّفح عند تصفّحها ، واستحضار الحلم ساعة يلمحها . وأن يمنّ عليها بالقبول ، والسّتر الجميل المقبول . وهذه هي هديّة العبد المولى ، إلى السيّد الأمين المولى . أمتع الله تعالى بفضائله التي تزري بالرّوض النّضر ، وتملأ أذن السامع وعين المنتظر : [ الطويل ]
بنو المصطفى أصل الوجود الأماثل * أكارم أهل البيت أين المماثل
هم الناس في صدق المقال لأنهم * إذا صدعوا بالحقّ لم يبق باطل
وهم رحمة للعالمين وعصمة * وقد برهنت عمّا أقول الدّلائل
وهم خير خلق الله في الأرض نعمة * هداة لمن فيها أمان مواصل
ومن بيتهم جاء الكتاب مفصّلا * وشرع رسول الله بالحقّ فاصل
أئمّة هدي هذّب الدّين منهم * إلى أمم الإسلام قوم أفاضل
خذوا عنهم الحلم الشريف وحدّثوا * إلى فضل أهل البيت تعزى الفضائل
لقد عظّم الرحمن في الدهر قدرهم * وأثنت عليهم بالفلاح الأماثل
حماة سراة لا يضام نزيلهم * إذا ضيّعت عهد الجوار القبائل
سمت بمعانيهم علوم رفيعة * وطالت بهم في الأكرمين الطّوائل
ومن خيرهم حبر حوى كلّ سؤدد * حسيب نسيب أوصلته الحمائل
أمينهم السامي الفخار رشيدهم * سريّهم الشّامي النّجار الحلاحل
خيار الكرام الشّمّ من آل هاشم * خلاصة أهل البيت نعم التّناسل
لفاطمة الزّهرا البتول انتسابه * عليّ حسينيّ له الأصل كافل
شريف عفيف مستغاث مهذّب * كريم السّجايا حازم الرّأي عاقل
أصيل له مجد رفيع مؤثّل * عريق زكت أخلاقه والشّمائل
هو السيد المحفوظ من كلّ زلّة * وشاهده في الذّكر يتلوه فاضل
أبى الله إلّا أن يكون مطهّرا * فأذهب عنه الرّجس والفضل شامل