تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
البيت أولي العلم والمجد وصاحب البيت أدرى . وينبّه البحث باقتدار جامعه على تحقيق خبريّته بمواقع الأخبار وتسهيل صعابها ، أنه ورث علم هذه الصناعة عن أصله المكّيّ وأهل مكة أعرف بشعابها . فلله من مؤرّخ أحرز بالجمع عن الأواخر ما أحرز بالسّمع عن الأوائل ، وأبرز للجمع عن الأوائل أخاير الذّخائر من فضائل الأفاضل . فصوص حكمه مشتملة على أحسن الإشارات ، وفتوحات حقائقه جاءت بالتّلويحات إلى أفضل المقامات . فكم فيه من تنبيه على كلّ معنى مستصفى ، ومحكم من أحكام الأحكام يهدي تحصيل الشّفا من استشفى . وفصيح من القول في إصلاح النّطق ، يقرّب إلى أدب الكتّاب ، ومهذّب من اللفظ الفائق يقطف من روض المديح زهر الآداب . حتى رصّع قلائد العقيان في نحر البلاغة مجملا ، ونظم عقد درر الصّحيحين وغرر الصّحاح من نثره ونظمه مفصّلا . ففي أبيات شعره قصور مشيدة ، وفقر رسائله كلّ فقرة منها معدودة بقصيدة . وفي عنوان توفيقه قوت قلوب العارفين ، وفي محكم إرشاده إحياء علوم الدين . فكسا اللّه مؤلّفه من حلل العلوم ثيابا غير أخلاق ، وجعله مجيزا لكلّ طالب مرويّاته بمحاسن الإسناد ومكارم الأخلاق . وبلّغه من الآمال والأماني أوفاها وأقصاها ، ومدّ أمد مدّته حتى لا يحصرها إلّا الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها . لما قد نفعني اللّه بوجوده ، وزاده من فضله وجوده . محروسة مصر القاهرة تشرّفت ، وبحلول ركابه تزخرفت . وفاح في رباها من روض بهجته نور نشرها الأريج ، ورويت من رؤيته بصوب صوابه فاهتزّت وربت وأنبتت من كلّ زوج بهيج . وبإشراق كوكب محيّاه في أفقها وافق الخبر الخبر ، وأين السمع من المشافهة ومشاهدة النّظر . أحببت أن أخدمه بأبيات طريحة ، عنكبوتيّة النّسج من جهة القريحة القريحة . وأطلب فيها الإجازة بجميع مرويّاته ، إن كان يراني أهلا لتلقّي مستنداته . لأني لم أكن من فرسان هذا المضمار ولا أهلا لمعانقة أبكار الأفكار . فلهذا صرت أقدّم رجلا وأؤخّر أخرى وأقول : سلوك طريق الأدب مع مثل هذا الأستاذ أولى وأحرى . لأن مقامه عالي الذّرا ، وأين الثّريّا من الثّرى . إلى أن رأيت بعض الإخوان ملؤوا الأفواه في مدحه بدرر نثارهم ، ونصبوا على مدارج سماع ذكرهم بيوت أشعارهم . وظفروا من كنوز المناهج بالسّعد المنتظر ، ونثروا على عقود جواهره الّلآلي والدّرر . وقصدوه وهو الغنيّ من هذه الصناعة وهم بالنّسبة إليه الفقراء البائسون ، فتلقّاهم بالقبول وفاح عليهم من رحيق ختام كلامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون . وأنزلهم منازلهم في مجالس حكمه ، وخلع على أعطافهم من حلل نثره ونظمه . فحملوا على عواتق شكرهم لواء الحمد الأزهر ، وخفقت أعلام مدائحهم بثناء الفخر الأبهر . وهم يقولون في دقائق معارفه
فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ
[ المدّثّر : 24 ] ، وإن فضله كالشمس لا ينكر ، وإن ذكره الرفيع أبى الله أن لا يذكر . ثم