362 - محمد المنوفيّ القاضي
أديب جيّد التعبير ، متقن التّوشية والتّحبير . والقاهرة أفقه الذي به استهل ، ومحلّ عيشه الذي شبّ فيه واكتهل . ثم ولي القضاء مرارا عدّة ، وتردّد في نصب المناصب إلى أن استوفى المدّة ، وله شعر أطربت به قصب اليراعة ، وابتهجت برونقه رياض البراعة .
فمنه قوله من قصيدة في المدح ، أولها : [ الطويل ]
لئن ضاق ذرعي أو تغيّر حالي * وعطّل منّي الدهر ما هو حالي
وأفردني صفر اليدين وناشني * بمخلبه الإشفى وفرّق بالي
فخير الورى ذخري وكهفي وعدّتي * يخلّصني منه بغير سؤال
فهمّته زهر الكواكب دونها * ومجلسه السّامي محطّ رحالي
منها :
إذا خطّ في طرس رأيت جواهرا * تنظّم في سمطي حيا وجمال
وإن قال لم يترك مقالا لقائل * وإن صال جال القرن كلّ مجال
ولا عجب من سيب سحب نواله * ومبسمه الأسنى وحسن فعال
ولكن عجيب لا ترى بك وحشة * وأنت بدنيانا عديم مثال
وكتب يهنّيه بعيد النّحر : [ الطويل ]
تهنّ بعيد النّحر يا واحد الدّهر * ودم في الهنا والعزّ والمجد والنصر
تقلدنا فيه قلائد أنعم * وأحسن ما تبدو القلائد في النّحر
فهذا زمان الأمن واليمن والمنى * وهذا زمان المدح والحمد والشكر
ولمّا حططت الرّحل دون عراصه * أخذت أمان الدهر من نوب الدهر
وما عتبه إلّا بأنّي وصفته * وشبّهته بالبدر والليث والبحر
ومن يكن الرحمن خلّد ملكه * وأثنى عليه الله في محكم الذّكر
يحقّ له أن يبسط الكفّ بالعطا * وينصر مكسورا من الفقر بالجبر
قوله : « تقلدنا فيه قلائد » البيت ، لمّا رأيته منسوبا إليه ، استكثرت معناه البديع عليه .
ثم ظفرت به في أشعار بلديّه ابن نباتة ، فعرفت أن التّضمين ما فاته . ولابن نباتة بيت قبله ، وهو : [ الطويل ]
تهنّ بعيد النحر وابق ممتّعا * بأمثاله سامي العلا نافذ الأمر
وأصله قول زكيّ الدين بن أبي الإصبع ، وفيه الاستتباع : [ الطويل ]
تخيّل أن القرن وافاه سائلا * فقابله طلق الأسرّة ذا بشر
ونادى فرند السيف دونك نحره * فأحسن ما تهدى الّلآلي إلى النّحر