أنا الواله الصّبّ لا غرو أن * لبست ثياب التّصابي حلل
رعى الله دهرا بها قد مضى * بوصل ومنها سقيت العلل
وفيها صفا باللّقا خاطري * وزالت كروبي بها والعلل
وماست بأعطافها وانثنت * دلالا بقدّ يفوق الأسل
وطافت بكأس الطّلا في الدّجى * كبدر ببرج السّعود اكتمل
وقالت ألا أيها المجتبى * تهيّ إلى الوصل وانف الملل
سكرت سكرت ووقتي صفا * ونجمي بسعد السّعود اتّصل
ونلت المنى حين واصلتها * ومصّيت ثغرا يحاكي العسل
ونزّهت طرفي في وجنة * غدا الورد من حسنها في خجل
وهمت بأقداح أحداقها * وتيّمني غزوها والغزل
فلله من أعين جرّدت * سهاما وكم جندلت من بطل
رنت لي بها بعدما أنشدت * على عودها نغمة من رمل
وأطيار أنسي قد غرّدت * بمعرب لحن غريب المثل
ولعت بها وخلعت السّوى * وسمسمني ردفها والكفل
فوقّيت في الحبّ شرّ العدا * وفي كلّ حال بلغت الأمل
365 - محمد بن عمر الخوانكيّ
أديب خبره متمتّع الأسماع ، وعشرته سلوى الأماني وحظّ الأطماع . لقيته بالرّوم والحال حالي ، والعيش من كدر الأيام خالي . وأنا وإيّاه حليفا صبا ، وأليفا شمول وصبا . لم يشب مسك عارضينا بعارض ، ولم يدر كافور التّجارب منّا في عارض .
فكنت أتمتّع من لفظه بما ينعش كلّ خاف خافت ، ومن معناه بما يحرّك كلّ هاف هافت . حتى غار القضا فأغار ، واستردّ مني ما كان أعار . فانفصم ذلك العقد الثمين ، وتفرّقنا ذات الشّمال وذات اليمين . ثم رأيته بدمشق في سنة مائة وألف ، وقد عرض البياض لعارضه ، كما صرّح لي بعد معارضة . وصرنا في برد من الشّيب منهج ، بعد أن كنّا في برد من العيش مبهج . فما استتمّ السّؤال عن كيفيّة الحال ، حتى خاطبته على سبيل الارتجال : [ الخفيف ]
لا تعيبنّ صفرة اللّون منّي * واحمرار الدموع في أجفاني
فبياض المشيب ينبئ أنّي * غيّرتني تلوّنات الزمان
فأملى عليّ من فصوله القصار ، قوله : الموت الأحمر في الحظّ الأسود ، والعدوّ الأزرق في بني الأصفر ، والشّيب الأبيض في عدم العيش الأخضر . وهذا كما تراه