يعارض قول الحريريّ في المقامة الثالثة عشرة : « فمذ اغبرّ العيش الأخضر ، وازورّ المحبوب الأصفر ، اسودّ يومي الأبيض ، وابيضّ فودي الأسود ، حتى رثى لي العدوّ الأزرق ، فحبّذا الموت الأحمر " . وقوله : " العدو الأزرق " يعني الشديد العداوة ، أو الأزرق العين ، يريد الرّوم ؛ لأن أكثرهم زرق العيون ، فبنو الأصفر على الأوّل بنو الذهب ؛ وهم الدّنانير ، وعلى الثاني الرّوم . ومن الأوّل تعرف أن الحريريّ عبّر بالمحبوب ، فلحظ جانب مدحه ، كما فعل في المقامة الدّيناريّة ، حيث مدحه فقال :
[ الرجز ]
أكرم به أصفر راقت صفرته
إلى أن قال : [ الرجز ]
وحبّبت إلى القلوب غرّته
وأما هو فعبّر بالعدوّ ، ولاحظ جانب ذمّه تبعا للحريريّ ، حيث ذمّه ، فقال :
[ الرجز ]
تبّا له من خادع مماذق * أصفر ذي وجهين كالمنافق
والموت الأحمر هو موت الفجاءة ، وقيل : هو الموت الشديد ، وهو القتل بالسيف ، وذلك لما يحدث عن القتل من الدّم ، وقد يكنى عن الأمر المستصعب بالموت الأحمر ، ويقال : سنة حمراء ، أي شديدة ، وقيل : الموت الأحمر الفقر . وفي « الحواشي الفناريّة على المطوّل » : الموت الأحمر يروى بالتّوصيف وبالإضافة ، فالأحمز على الثاني بالزاي المعجمة ، قيل : هو حيوان بحريّ يشقّ موته ، والظاهر أنه على الثاني ، وعلى الأول بها أيضا من الحمازة ، وهي الشّدّة ، وقيل : هو عليه بالراء المهملة ، فيراد به موت الشّهداء ، والأول أقرب كما لا يخفى . انتهى . وجرى بيني وبينه ذكر بلوغ الأربعين من العمر ، فقال : كيف ترى حالك ، وقد بلغت الأشدّ ؟ فقلت : قد فارقت الشّدّة ، وبلغت الأشدّ ، فأنا قد عدمت معه السّداد فمن لي بالأسدّ . [ الخفيف ]
ما يرجّي من أرذل العمر شيخ * من بلوغ الأشدّ يلقى الأشدّا
وأنشدني من لفظه لنفسه قوله مضمّنا : [ الطويل ]
ولا أختشي إن مسّني ضرّ حادث * إذا كان عقباه ارتفاعي من الخفض
ولا الدهر مهما إن أطال له يدا * فتلك يد جسّ الزمان بها نبضي
فإن عشت أدركت المرام وإن أمت * وأسرع أرباب الودائع للقبض
ولم تشف من ماء الحياة غلائلي * فلله ميراث السماوات والأرض