وأطرب ، وحاول طريقة من تقدّمه فأعجب وأغرب . وذكر فيها مبتدأ حاله ، وما لقيه من النّصب في إقامته وترحاله . بعبارات تعطف القلوب القاسية ، وتزعزع الجبال الرّاسية .
وعرضها على أقوام يكاد يندى من أياديهم السحاب الجهام ، فمنعه سوء بخته عن رشاشة يبلّ بها صدأ الأوهام . فمما انتخبته من مقامته السادسة :
قال أبو الحسن المصريّ : إنّي نشأت بمصر السعيدة ، حامدا ربّي على أيّامها الحميدة . قرير العين ، كثير العين . ليس لي حرفة ولا حيلة ، إلّا تتبّع آثار ذوي الصّنائع الجليلة . فجدّيت في الطّلب ، وما أخطأت الأدب . حتى علوت ذروة كلّ صناعة ، وحويت رأس مال كلّ بضاعة . فما رأيت من كل ذلك إلّا النّقصان ، وما استفدت من المتاجر إلّا الخسران . وكان من جملة ما خدمت أساتيذه ، وتتبّعت دلائله وأسانيده .
الفنون الأدبيّة ، والعلوم الفقهية . حتى صار لي ملكة في الأخذ من الأسانيد والدّلائل ، وقدرة على كتب الحواشي وتحرير الرّسائل . خصوصا فنّ الكتابة والإنشا ، إذ بهما يكون للمرء ما يشا . ثم خلج في خلدي الرّحلة إلى بلاد الرّوم ، لأتمّم بها طلب العلوم . فلما منّ الله تعالى عليّ بدخولها ، واجتمعت بعلمائها وفحولها . فإذا هم غارقون في بحور النّعم ، معروفون بالجود والكرم . وكنت في بعض الأيام ، أتردّد على صدورها العظام .
تارة بما استطعت من قصيدة نظمها بديع ، وأخرى برسالة عقود ترتيبها مرصّعة بالدّرّ الصّنيع . وكان دأبي تتبّع آثار المتقدّمين ، لأن ما قدّموه لا يتّهم ككلام المتأخّرين . ومن العادة أن أهل كلّ صناعة ، يكرمون القادم عليهم من أهلها بحسب الاستطاعة . فأكرموني بحسب استطاعتهم ، وجادوا عليّ بقدر مروءتهم . فأعطوني مدرسة ، كانت عاقبتها عليّ فقرا ومنحسة . فكنت أكثر الأيام ، لا أذوق الطّعام . وغالب الأوقات ، أحرم الأقوات .
حتى نفد مالي ، وتبدّد حالي ، وجار عليّ الزمان ، بالذلّ والهوان . فبعت كتبي ، وأنفقت ذهبي . كلّما عرّفت حالي تنكر ، وعند ابتداء خروجي من عندهم لم يبق عندهم منّي خبر . ففي يوم من الأيام كنت أكابد الجوع ، وأصبّر قلبي المسكين الموجوع . إذ مررت بباب بعض الأكابر ، وكان يعرفني من مصر وأنا أبيع الجواهر . فناداني : ألست الجوهريّ ؟ قلت : نعم ، أنا الحسنيّ المصريّ . فقال : يا من حضر ، الحذر ، كلّ الحذر ، من حوادث الدهر فإنه ليس مأمون الخطر . يعزّ الذّليل ، ويذلّ العزيز ، ويحطّ الجليل .
يخفض المرفوع ، ويغيّر الموضوع . ثم التفت إليّ التفات الشّفيق ، وقال : إن كلام الشاعر بالتّصديق حقيق . فيما ذكر من الأبيات ، في شأن بعض الحكايات . رواية عن تاجر ، أنّه التقط شيئا من الجواهر . وانتخب منه درّة ، تساوي بدرة ، فبينما هو سائر في بعض القرى ، إذ سقطت الدّرّة في الثّرى . ومكثت سنة مكمّلة ، في تلك المزبلة .
فالتقطها أحد الأكّارين ، وباعها بدرهمين . فلما بلغ خبرها إلى الشاعر ، الأديب الماهر .
أنشد وقال ، هذا المقال : [ الطويل ]
رأيت بسوق درّة ذات قيمة * ينادى عليها بين قوم أخسّة