تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
من الوزر ، كما أن الأصل في « لامّة » ملمّة ، لأنها فاعل من ألمّت . وقالت العرب : الغدايا والعشايا . والأصل في الغدايا : الغدوات ، وقالوا : هنّاني الشيء ومرّاني . والأصل في مرّاني : أمراني . وليس تغيير مبانيها إلّا للقصد المذكور ، ولهذا إذا استعملت شيئا من هذه الألفاظ مفردة رددتها إلى أصولها . ومن منشآته قوله من كتاب : سيّدي الذي سكن فؤادي ، وسلب رقادي ، واستأثر بودادي ، وقصر على محبّته والنّزوع إلى رؤيته سويداي وسوادي . فيامن ملك زمام العلوم ، من كلّ منطوق ومفهوم ، وساعده التوفيق ، على أن جمع بين التّحقيق والتّدقيق . [ الكامل ]
وإذا هما اجتمعا لنفس مرّة * بلغت من العلياء كلّ مكان
أعيذ طبعك ذلك الغوّاص الموّاج ، وصدرك ذلك البحر الثّجّاج ، وفهمك ذلك السّراج الوهّاج ، من أن ترضى بأن أصبر على الظّما ، وأن أبقى في ظلمة الهجر والنّوى . ولم تغثّ مسرح بصيرتي بنوء ، ومطمح نظري ببعض ضوء . وهو - حفظه الله تعالى - يعلم أنّ من مداده أمدادي ، ومن سنا طبعه الوقّاد هدايتي ورشادي . وعلمه محيط بما في احتباس القطر من ضجر النفوس ، وبما في خفاء الشمس من الوحشة والعبوس . وأنا أشكو تعطّشي إليه ، وأعرض حال وحشتي من بعده عليه . فهو - حفظه اللّه تعالى - إذا شاء أثلج بخطابه الأحشا ، وأنا بكتابه ناظر أصبح لغيثه أعشى . وممّا ينسب إليه ، في توجيه بيت لأبي تمّام ، وهو : [ البسيط ]
زار الخيال له لا بل أزاركه * فكر إذا قام فكر الخلق لم ينم
قال : عاب الآمديّ هذا ، فقال : وإذا زاره بالفكر وقد زار فلا معنى للاستدراك ، وحاصل ما اعتذر به أنّ الاستدراك صحيح ؛ لأنه إذا قال : « زار الخيال له لا بل أزار » ، احتمل زيادة الاختيار من غير بعث باعث ، واحتمل وقوع الزّيارة عن حمل حامل ، فأزال هذا الإبهام بقوله : « لا بل أزاركه فكر » . وقوله : « لم ينم » لم يرد حقيقة النوم ، بل كما يقال : فلان لم ينم عن هذا الأمر . وقال : « إذا نام فكر الخلق » ، يعني آخر الليل ، ولم يقل : أوله ؛ لأنه إنما أنه يسهره ، وإنما يقوم في آخره تهويما بتطرّقه . وقيل : وجه احترازه أنّ الخيال لا يطرق في العادة إلّا مع وجود النّوم ، وهذا إنما يكون في آخر الليل ، مع استمرار النّوم وطول زمانه . وقال أبو الطّيّب : [ الكامل ]
لا الحلم جاد به ولا بمثاله * لولا ادّكار وداعه وزياله إنّ المعيد لنا المنام خياله * كانت إعادته خيال خياله
يقول : المتمثّل والمتخيّل له في اليقظة إعادة خياله في المنام ، كأنّ الخيال الذي في النّوم خيال الخيال الذي تصوّر في اليقظة .