وأظهر من هذا قول أبي تمّام المتقدّم ، وإنما أخذه من قول جران العود : [ البسيط ]
حيّيت طيفك من زور ألمّ به * حديث نفسك عنه وهو مشغول
فقوله : « وهو مشغول » ، أي لم يزرك على الحقيقة ، فبنى من قوله : « ما زارك طيف الخيال » وقوله : « حديث نفسك » قوله : « ولكنّك الفكر أزاركه » . وقال الكميت :
[ المتقارب ]
ولمّا انتهيت وجدت الخيال * أمانيّ نفسي وأفكارها
339
- عبد البرّ الفيّوميّ
جوّاب أقاليم ، ومبدي صور تعاليم . زاحم العلماء بالرّكب ، وانتضى إليهم كلّ مركب . ينتجع الأفكار ، ويعتمد التّذكار . ويباحث ويثابر ، ويتأبّطه اليراع والمحابر .
ويحتفل بتحصيل الذّخائر ويعتني ، وسعيه البرّ لا يفتر عن مطلب ولا يني . فبذل الطّريف والتّلاد ، وتقلّب في أعطاف البلاد . حتى استقرّ بالروم فاخضرّت أكنافه ، وتجمّلت أنواع برّه وأصنافه . فبلغ من الفضل موارده ، وجمع أوابده وشوارده . والتقط نفائس درّه ، وارتضع حلائب درّه . وبها كانت رحلته إلى دار البقا ، وصحيفة عمره بادية الجلاء والنّقا . وهو روضة بالفضل أنيقة ، كتب الدهر له بتمليك الأدب وثيقة . وله من حسن البداهة والبيان ، ما يسحب على سحبان ذيل النّسيان . وقد أوردت من شعره ما تستغني به عن مجاجة الرّيق ، وتستكفي به عن صرف الرّحيق ، الذي شغل الزّجاجة والإبريق .
فمنه قوله : [ الطويل ]
حبيب له جسمي وقلبي راغب * ولي منه هجر وهو للوصل راهب
هامش
( 339 ) - هو عبد البر بن عبد القادر بن محمد بن أحمد بن زين الفيومي العوفي الحنفي . كان كثير الفضل جمع الفائدة شاعرا مطبوعا مقتدرا على الشعر قريب المأخذ سهل اللفظ حسن الإبداع للمعاني مخالطا لكبار العلماء والأدباء . أخذ العلم بمصر عن الشيخ أحمد الوارثي الصديقي ، والأدب عن الشيخ محمد الحموي ، والقراءات عن الشيخ عبد الرحمن اليمني ، وفارق موطنه فحج أولا ، وأخذ بمكة عن ابن علان الصديقي ، ثم دخل دمشق وحلب وأخذ بحلب عن النجم الحلفاوي الأنصاري ، ثم خرج إلى الروم فورد مورد العلامة أبي السعود الشعراني ولزم الشهاب الخفاجي . وولي من المناصب إفتاء الشافعية بالقدس مع المدرسة الصلاحية ودخل دمشق وأقام بها في حجرة بجامع المرادية نحو سنتين ولم يقدر على الدخول إلى القدس خوفا من الشيخ عمر بن أبي اللطف مفتي الشافعية قبله ثم لما مات الشيخ عمر ترحل إليها ومكث بها أياما ولما لم ينل حظه من أهلها ترك الفتوى والتدريس ورأى المصلحة في الرجوع إلى الروم فانتقل إليها وأقام بها مدة ثم انتظم في سلك الموالي فولي بعض مناصب ومات وهو معزول عن ساقز . وله تآليف كثيرة حسنة الوضع أشهرها كتابه ( متنزه العيون والألباب في بعض المتأخرين من أهل الكتاب ) جعله على طريقة ( الريحانة ) . وله ( حاشية على شرح الهمزية لابن حجر ) ، وكتاب ( حسن الصنيع في علم البديع ) .
وكانت وفاته في سنة إحدى وسبعين وألف بقسطنطينية والفيومي نسبة إلى الفيوم وهي بلدة مشهورة في إقليم مصر . ا . ه . خلاصة الأثر ( 2 / 291 ) .