أن انتقل إلى الدار الآخرة ، فلا زالت تحيّي قبره سحابة الرحمة الزّاخرة ، وقد أوردت له من درره ما ألّف نظمه بالشّذر في عنق فتاة رود ، فإذ نظرت رأيت أيّ سوالف وخدود ، عنّت بين اللّوى فزرود . فمن ذلك قوله فيمن لبس بياضا : [ م . الكامل ]
لمّا بدا مبيضّا * والقلب مشتاقا إليه
ناديت هذا قاتلي * والرّاية البيضا عليه
وقوله : [ السريع ]
صادفته يجلو فما حشوه * شهد ودرّ وعقيق المدام
وقلت يا مولاي هل مشرب * من ريقك العذب لحرّ الغرام
فقال جور منك أنت الذي * تدعى بإبراهيم طول الدّوام
والنار بردا وسلاما غدت * عليك ماذا الحرّ قلت السّلام
وقوله : [ الخفيف ]
جاء يسعى إلى الصلاة مليح * يخجل البدر في ليالي السّعود
فتمنّيت أنّ وجهي أرض * حين أوما بوجهه للسّجود
قلت : ذكرت هنا ما يحكى عن بعض الظّرفاء ، أنه مرّ بغلام جميل ، فعثرت فرس في طين ، أصاب وجه الغلام منه نزر ، فقال الظريف :
يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[ النبأ : 40 ] ، فسمعه بعض المارّين ، فقال للغلام : ما يقول هذا ؟ فقال :
وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[ النبأ : 40 ] . وقال السيد محمد كبريت ، في كتابه « نصر من اللّه وفتح قريب » ، في معرض كلام : جرت عادة الفعّال لما يريد في خلقه ، أن كلّ بلدة في الغالب تكون عونا لغريبها ، حتى على ساكنها ، وعلى الخصوص المدينة المنوّرة .
وكان المرحوم العلّامة الشيخ إبراهيم بن أبي الحرم يقول : ليس من الرّأي تعظيم الوارد إلى هذه الدار إلّا بحسب ما يقتضيه الحال ، فإنه بتعظيمه يطأ غيره ، ثم يتمرّد على معظّمه ، فيطأه كذلك ، وتكون إساءته عليه أكثر ، وعلى الخصوص من لفظته القرى ، وألف النّوال والقرى ، وقد اتّفق لي شيء من ذلك فكتب إليّ بعض أصحابي في خصوص هذا المعنى : [ البسيط ]
يا أهل طيبة لا زالت شمائلكم * بلطفها في الورى مأمونة العتب
لكن رعايتكم للغرب تحملهم * على تجاوزهم للحدّ في الأدب
فكان الجواب عن ذلك بلسان الحال : [ البسيط ]
مولاي إنّ صروف الدهر قد حكمت * وأعوزت أن يذلّ الرأس للذّنب
كم مقبّل كفّ لو تمكّن من * قطع لها كان ممّن فاز بالأرب