ولكنه يا مفخر العرب امرؤ * يجرّع من هذا الزمان مصائبا
فجرّد عزما للتّجافي عن الورى * وأصبح منحازا عن الخلق جانبا
فصبرا لهذا الدهر إنّ صروفه * لعمرك تبدي من قضاها عجائبا
سيصفو شراب مرّ دهرا مكدّرا * ويرضى محبّ ظلّ حينا مغاضبا
فإن ضميري لا يزال منازعي * بأنّك ترقى في المعالي مراتبا
مراتب تسمو للسّماكين رفعة * تقود بها خيل الفخار جنائبا
فذلك عندي عن تقي مكرّم * صدوق إذا ما قال لم يلف كاذبا
وما زلت أرعى قوله في مواطن * فألفيته ثبت المقالة صائبا
ودم راقيا للمجد أرفع رتبة * تبيد الأعادي أو تنيل الرّغائبا
307 - أحمد بن أبي القاسم الخلّيّ
من أولى الناس للمجد تفصيلا ، وأحقّهم للتّرجيح تكميلا وتفضيلا . لم ترفع عن أحسن من محاسنه النّقب ، ولم تتشرّف بأفضل من مآثره الحقب . ولقد منّيت به في إحدى ثلاثة منى ، وحصلت منه على ما كنت أتوقّعه من أمنيّة ومنى . في هنيئة أقصر من رجعة طرف ، وأخصر من كتابة حرف . فرأيت فاضلا ألقى دلوه في بحر الأدب فنزفه ، ومدّ يدّه إلى غصنه الفينان فقطفه . وأنشدني من شعره ما تحسد اتّساقه الثّغور ، وتغازله شهب السماء فتغور . فمنه قوله من قصيدة : [ السريع ]
حيّى الحيا مراتعا بنجد * قد طاب فيها صدري ووردي
مراتعا كنت سميرا للدّمى * بها وترب ناهدات النّهد
من كلّ هيفاء القوام غادة * يبسم فاها عن لآلي عقد
إذا انثنى بالدّلّ لدن قدّها * فأين منه عذبات الرّند
ثقيلة الرّدف هضيمة الحشا * يحكيهما تجلّدي ووجدي
ضعيفة الخصر ولكن فعله * في القلب أبلاني بضعف الجهد
كثيرة الخلف فما لصبّها * مطل وعيد ونجاز وعد
ميّاله العطف لغير عاشق * ملولة الإلف لغير الصّدّ
ريّانة الجسم يظلّ شارقا * دملجها منها بماء الزّند
لها محيّا كالصباح أبلج * من فوقه ليل أثيث جعد
وناظر أجرى دموع ناظري * وقفا على عامل ذاك القدّ
وحاجب حجب عن جفني الكرى * كأنه موكّل بالسّرد