ازدانت به الأيام ازديان الخدّ بالعذار ، وقامت مواهبه العامّة عما جنته الليالي مقام الاعتذار .
يحفّه لطف من اللّه تعالى مدارك ، فيسمو إلى المعالي سموّ المستبدّ لها من غير مشارك .
حتى ترامت الحظوة لديه ، كعبيده الواقفين بين يديه .
إلى حيث لا يدركه أمل ، ولا يبلغه إلّا ذو علم وعمل .
تبذل النفوس أرواحها في رضائه ، فلو غفل قلب عن تمريضها عافته كلّ أعضائه ، وله سداد رأي يعضده القضا ، وحسام طبع لا يخونه المضا .
فهو ينثر الدّرّ إذا أخذ القلم ، ومن يشابه أبه فما ظلم .
فحظّه جار بلا مثال سابق ، ولم يوجد قبله حظّ لحظّه مطابق .
فقد أخذ من الجدّ بعنانه ، وتصرّف بالقلم كيفما شاء فكأن آية السحر في بنانه .
وقد طال إلى ديار العرب تردّده ، وبارت بها السحب الهواطل يده .
فما زالت تشكر آلاؤه حيث حلّت ركائبه من البلاد ، وتقيه الأعيان من النوائب بالأنفس النفيسة لا بمنفوس التّلاد « 1 » .
وطالما تسابقت إلى مدحه القرائح ، ودلّت عليه الأقاويل بالكنايات والصّرائح .
ثم استقرّ آخرا بمصر مخضرّ الأكناف ، متوفّر الأنواع من أسباب العيش والأصناف .
ولم يخل أيام إقامته فيها من مجالس يصرف إليها أعنّة الاعتنا ، وفي صحبة أودّائه حزب كأنهم ما خلقوا إلا للمدح والثّنا .
ينتشون بغدو إذا ذكروا ما مرّ لهم في أمسه ، ويطالعون آثار الربيع فلا يرونها كآثار خمسه .
إلى أن أغمده منتضيه ، فالله يعطيه من الكرامة ما يرضيه .
هامش
( 1 ) التلاد ، التالد : القديم الأصيل . ا . ه اللسان ( تلد ) .