وأيّ مقال ينبي عن معنى فضله ، وأيّ إرقال « 1 » ينتهي إلى مداه وخصله .
لو أرخي عنان جواد الثّنا ، في ميدان المدح والثّنا ، لوجب من غلوّ الوصف المندوح ، تكفير المادح والممدوح .
لكن قد زحم جماح غلوّه ، واستنزه جلمود علوّه .
واستقصر مدى جريته ، دون التّمادي في مريته .
على سرد بعض منتقى أوصافه الفاخرة ، ووصف فيض ملتقى بحر علومه الزاخرة .
[ الكامل ]
علامة العلماء والبحر الذي * لا ينتهي ولكل لجّ ساحل « 2 »
يدري بما بك قبل تظهره له * من ذهنه ويجيب قبل تسائل
وتراه معترضا لنا ومولّيا * أحداقنا وتحار حين يقابل
كلماته قضب وهنّ فواصل * كلّ الضّرائب تحتهنّ مفاصل
مقطّعاته كالسحر الحلال ، والسّلسبيل السّلسال .
والمثل السائر ، والنّادر المنجد والغائر .
لا يمكن الاحتذاء على مثالها ، ولا تطول أعناق الهمم إلى مثالها .
إن شبّه فالمعتزّيّات واجمة ، أو أغرب فالمغربات راغمة .
ذو الأخلاق الأريحيّة ، والأحكام الشّريحيّة .
والشجاعة العنترية ، والنصائح البحترية .
من هو في الزهد كأويس ، وفي الحلم كالأحنف بن قيس .
إياس الزّكن ، عريّ عن اللحن واللّكن .
كان قدما أبوه في العلم والزهد يساوي سميّه زكريا ، فاقتفى أثره وأربى عليه وله صار وارثا ووليّا .
أنهي إليك أيها المولى الباذخ فخاره ، الشامخ على النجم مناره .
أن هذا بعض ما أدركه أسير امتهانك ، وهدف سهام امتحانك .
من بعض أوصاف حميد شيمك ، التي حويتها بعليّ هممك .
التي أفحمت كلّ معارض يجاري ، وأوجمت كلّ معاند يماري .
ورجمت مناويك بشواظ من نار ، وألجمت كلّ ذي لسن يقاويك بلجام العيّ والبوار .
فكيف أقوى بعد جرمي بها ، وتحقّق وهمي فيها ، على سلّ مرهف المقال ، والتّجاسر في حضرتك على إطلاق عنان المقال .
هامش
( 1 ) إرقال : الاسراع ، وهو في الأصل اسم مشي للإبل فوق العدو . ا . ه اللسان ( رقل ) .
( 2 ) انظر ديوان المتنبي 2 / 270 .