فلو وضعت صنجات النجوم من نيران السماء في كفّة ، لم توازن مناقبه الغرّ ونسبت إلى طيش وخفّة .
له تدبير محتنك مجرّب ، ورأي ممارس مشرّق ومغرّب .
ونظمه ونثره باللسانين ، هذا يقصر عنه من السحاب درّه ، وذا يصغر عنه من السّخاب درّه .
فذا أصفى قطرا وديمة ، وذا أوفى قدرا وقيمة .
وكان في آخر أمره تنبّه حظّه من نومته ، وسيم من الإقبال التّام بسومته .
فولى قضاء الشام ، ونال رتبة يتباهى بها العزّ والاحتشام .
وقد رأيته يوم دخوله ، وزحمة الأعين تحول بين التملّي ووجهه ، فرأيت شيخا إذا سار البدر في موكب نجومه ، قيل قد غنينا عنه بتلهّبه .
وقد أخلق العمر عمائم ثلاثا في رأسه ، وأشعل للرحيل بهذه النّعشة ذبالة نبراسه .
ولم يبق من كأس عمره إلا جرعة ، وبريد المنيّة سائر إليه في عجلة وسرعة .
فما حطّ أثقاله بهذا الفنا ، حتى نزل دار البقا وترك دار الفنا .
فاللّه ينوّر له الحفيرة والتّربة ، وهو المسؤول أن يؤنس له الوحشة والغربة .
وهذا جانب من نثره الفائق ، ونظمه الرائق .
أتيت منه بالقليل من الكثير ، فإن محاسنة تزيد على نجوم الفلك الأثير .
فمن ذلك ما كتبه إلى مفتي الدولة : [ الطويل ]
دروع لشاكي الطعن هذي الرسائل * يردّ بها عن نفسه ويشاغل « 1 »
هي الزّرد الضّافي عليه ولفظها * عليك ثناء سابغ وفضائل
أتاك يكاد الرأس يجحد عنقه * وتنقدّ تحت الذّعر منه المفاصل
كيف لا ، وأيّد اللّه مولانا ، وهو مظهر الجلال والقهر ، ومصدر الحماسة والسيادة في أبناء الدهر .
ذو الهمة التي همّت بالدهر إذ تصرّف في الأحرار بصروفه ، والعزمة التي عزمت على تسكين دور دوائر حتوفه .
الذي تصهّر باستبعاده الأحرار من عزمهم غصنا وريقا ، وتسنّم من سبح الجلالة والجبروت مكانا وثيقا .
متى استنجد تنمّر تنمّر الليث ، أو استغيث تشمّر تشمّر البطل عند الغيث .
يكاد سنا برق سطوته يذهب بالأبصار ، وتكاد صواعق دولته تخرّب المدائن والأمصار .
هامش
( 1 ) الأبيات للمتنبي ، انظر ديوان المتنبي 3 / 390 .