سرى طيفها ليلا فذكّرني الأسى * وعهدا بليلى حيث ما طيفها يسري
فلولا التّسلّي من هواها وعهدها * لأحرقت الأهوا بحرّ الجوى صدري
ولكنه أنساني اليأس أنسها * وقلّدت من نعمائها بحلى التّبر
عذوليّ صفحا عن ملامي وخلّيا * فأذناي عنها فيهما أيّما وقر
سلا هل سلا قلبي إذا لم أزرهم * أم انطوت الأحشاء منّي على جمر
هو الحبّ إن يملك فغير مدافع * وإن تحتكم أسبابه في الفتى يبري
ومن شأنه حمل الهوى مثل مذهبي * فليس له غير التجلّد والصبر
عساها يدوم الوصل منها تكرّما * ففي وصلها بين الورى شرف القدر
وما ليلة يأتيك عنها سفيرها * ببشرى التّلاقي غيرها ليلة القدر
إذا شبّهت بالأنجم الزّهر أنفس * فما أنصفت إن شبّهت هي بالبدر
وإن أطنبوا في وصف بيضاء دمية * فلا شكّ يوما أنها بيضة الخدر
ألا لست لولا حبّها أعرف الهوى * وما كنت أدري بالقريض وبالشعر
قفا فلأمر ما أورّي بذكرها * على عادة التّشبيب بالنظم والنثر
حلا غزلا فنّ القوافي وأهلها * كما حلت الغزلان في الحلل الخضر
فأسحرت في سبك المعاني بواكرا * كما بان لي بعض البيانات في السّحر
وما علق التشبيب صدر شبيبتي * سناء ولا ذات الخمار ولا الخمر
ولكن مدح الطاهر الشّيم الذي * كسا الناس ثوب الأمن في البرّ والبحر
وأجرى ينابيع الهوى والورى معا * وأورى زناد الملك بالنّهي والأمر
وأروى السيوف المرهفات من العدى * أولي الفسق والفحشاء والبغي والنّكر
وجرّد فيهم همّة نبويّة * فأفناهم بالجرد والبيض والسّمر
هو الشرف الأعلى هو الناس جملة * إذا قيل فيمن دونه أوحد العصر
فيوم الأعادي لم يزل منه باكيا * دما إذ له الأيام ضاحكة الثّغر
إليك أبا يحيى أتتك تحية * تضوّع من أرجائها أرج البشر « 1 »
تجوب الفيافي نحو بابك مثلما * تؤمّون نحو البيت والرّكن والحجر
لها شرف يزهو بتقبيلها الثرى * لديك ومن سوح العلى مثلها يثري
بكرت لها فكرا ومن وصفك الذي * يزين القوافي فيك ساعدني فكري
كما قيل في الباني الذي وجد البنا * فلا عجب أن طال ما شاد من قصر
وماذا يقول الواصفون وهل أتى * لغيركم من هل أتى محكم الذّكر
هامش
( 1 ) تضوّع : يقال ضاع المسك إذا تحرك وانتشرت رائحته . اللسان ( ضوع ) .