لئن حاز جودا لا تفارقه يد * فقد حاز شكرا لا يفارقه فم
وهو الذي مهّد البلاد ، وأحكم أمر الطّارف في مجدهم والتّلاد .
بجدّ لو تعرّف إليه الجماد لنطق متكلّما ، أو تظلّم إليه النهار من الليل لم يدع شيئا مظلما .
وفضل استعدّ له واعتد ، ورأي امتدّ به ساعده واشتدّ .
يهزّ للمدح عطفا ، وينساب مع الماء رقّة ولطفا .
ومع هذا فهو في الحرب الليث الهصور ، والشّجاع الكرّار فلا يحوم حوله التّراخي والقصور .
إذا مضت في الأعداء بواتره ، تقدّمتها في الظّفر بوادره .
أنهضه اللّه بطاعته ، وزاد في قوّته واستطاعته .
فاستخلص اليمن من قوم فتكوا فيه وعاثوا ، وطغوا على أهله حتى استغاثوا من شرّهم فلم يغاثوا .
وقبض على أناس كانوا ممّن توغّل في حربه ، ثم أطلقهم محتسبا بالعفو عنهم عند ربّه .
وذلك بعد حروب كاد يعلق بشرّها ذمامه ، ويرشق إليه منها حمامه .
حتى استقام له الأمر ، وخمد ذلك الجمر .
وتمّ له من المراد ما اقترحه ، ومن الزّناد ما اقتدحه .
فتمهّدت له أخياف الهمم ، وخضعت له عوالي القمم .
فقام الناس إلى مشايعته ، والتّفيّؤ بظلّ متابعته .
فعاملهم أحسن معاملة ، وأعطاهم محاملة عوض مجاملة .
ولمّا بان هدوّه ، وبان حاسده وعدوّه .
هامش
( 193 ) - السيد حسن ابن الإمام القاسم بن محمد بن علي . من ملوك اليمن الذين تسموا من الفخر عالي الذرى ، وسع جودهم عامة الورى وهو الذي فتح اليمن وأخذه لأخويه محمد وإسماعيل من الأتراك ، وأخرجهم منه ، وكان مع شجاعته ذا سياسة ، وتدبير عظيم ، ومرجع الدولة في عصره إليه ، والكل من بني القاسم لا يصدرون إلا عن رأيه ويعولون في جميع الأمور عليه وكان مع اشتغاله بالحروب وقيامه بأمر الملك على ضروب يهتز للشعر هز النشوان ولا يشغله شاغل عن المذاكرة في كل الأوان . وهو الذي اختط الجبل المسمى بضوران ، فبنى به حصنا مشيدا واختط به أرضا مدينة عظيمة وأصابه أرضا دائرة ، وغرس بها فواكه فصارت مدينة عظيمة بأسواقها وحماماتها ومساجدها وأمر كل أمير من أمرائه أن يبني بها بيتا فاتبعوا أمره ، وعمر ما حول المدينة من القرى وكانت وفاته في شوال سنة ثمان وأربعين وألف بمرض ذات الجنب وكانت مدة إمارته بعد خروجه من صنعاء نحو خمسة عشر عاما ، ودفن بضوران ، وبني عليه قبة عظيمة إلى جانب مسجده الذي أسسه وتممه ولده محمد . ا . ه خلاصة الأثر ( 2 / 39 ) .