تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
تقسّمت الكلمة المجتمعة بين أحمد وإسماعيل الأخوين ، ومحمد ابن أخيهما الحسن المتقدم آنفا فتفرّق القوم فرقا ، وسلكوا من التشعّب طرقا . وجرت بينهم حروب للظّهور قاصمة ، ولعرى الحزم فاصمة . حتى ضاقت اليمن بأهلها ذرعا ، وخامرتها النوائب أصلا وفرعا . وإسماعيل محتسب في دفع تلك الغمّة ، متوكّل على اللّه في تلافي أمر الأمّة . وهو عالم أن القلوب معه ، والكلمة عليه مجتمعة . وأن الإمامة تسعى له باتّفاق ، وتتجاذبه أطرافها من بين تلك الرّفاق . حتى صار علمه يقينا ، واستسلم له القوم قائلين : نحن من شيعتك ما بقينا . علما منهم أنّ ما هم فيه أمر محظور ، تقدّم فيه بتسويل الأنفس حدّ محذور . فأصبح في تلك الدائرة قطبا وهم فلك ، وناداه الدهر إن لم تكن لهم الإمامة فلك . فلقيت به الولاية حظّا ، وأدارت كيف شاءت في الرفاهية لحظا . واطمأنّت أدانيها وأقاصيها ، وابتهجت أسرّتها ونواصيها . وإسماعيل هذا هو الإمام المجلّي ، يقتدى به المصلّي وغيره في ميدان السّباق ، وإذا جرى ذكره في البراعة استخدمها له القول بالموجب بنوعي المطابقة والطّباق . ولئن كان من بين إخوته الأقلّ الأصغر ، فيفديه العالم الأكثر من أصغر العالم والأكبر . فهو أصل نالت به قبائله من الشرف الأرب ، كما أن إسماعيل أصل تفرّعت منه قبائل العرب . مدّ إلى جرّ المجرّة باعا ، واتّخذ له فوق الأثير منازلا ورباعا . لم يدر على مثله لناد نطاق ، ولم ير الدهر نظيره ولو شمّر عن ساقه ما أطاق . تهابه النفوس إذا رمقته أبصارها ، وتلجأ إليه الرياح إذا أرهقها إعصارها . فلو دعا السهم في الهواء لرجع من ساعته ، أو نادى الدهر الأبيّ لما أمكنه التخلّف من طاعته . يسافر رأيه وهو دان غير نازح ، ويمضي تدبيره وهو ثاو غير بارح . وهو في العلم فرد لم يختلف فيه اثنان ، وجامعيّة فنون ذات أصول وأفنان . وله شعر كقدره فوق أن يقال جليل ، وكثير المدح في جنب معاليه قليل . كما قال القائل : [ المتقارب ]
كلام الإمام إمام الكلام * وفوه يفوه بحرّ النّظام مزاج معانيه في نظمها * مزاج المدام بماء الغمام
فمن شعره قوله ، من قصيدة أولها : [ المتدارك ]
في المهجة أضحى معهده * فلذا في الغيبة تشهده