تقسّمت الكلمة المجتمعة بين أحمد وإسماعيل الأخوين ، ومحمد ابن أخيهما الحسن المتقدم آنفا فتفرّق القوم فرقا ، وسلكوا من التشعّب طرقا .
وجرت بينهم حروب للظّهور قاصمة ، ولعرى الحزم فاصمة .
حتى ضاقت اليمن بأهلها ذرعا ، وخامرتها النوائب أصلا وفرعا .
وإسماعيل محتسب في دفع تلك الغمّة ، متوكّل على اللّه في تلافي أمر الأمّة .
وهو عالم أن القلوب معه ، والكلمة عليه مجتمعة .
وأن الإمامة تسعى له باتّفاق ، وتتجاذبه أطرافها من بين تلك الرّفاق .
حتى صار علمه يقينا ، واستسلم له القوم قائلين : نحن من شيعتك ما بقينا .
علما منهم أنّ ما هم فيه أمر محظور ، تقدّم فيه بتسويل الأنفس حدّ محذور .
فأصبح في تلك الدائرة قطبا وهم فلك ، وناداه الدهر إن لم تكن لهم الإمامة فلك .
فلقيت به الولاية حظّا ، وأدارت كيف شاءت في الرفاهية لحظا .
واطمأنّت أدانيها وأقاصيها ، وابتهجت أسرّتها ونواصيها .
وإسماعيل هذا هو الإمام المجلّي ، يقتدى به المصلّي وغيره في ميدان السّباق ، وإذا جرى ذكره في البراعة استخدمها له القول بالموجب بنوعي المطابقة والطّباق .
ولئن كان من بين إخوته الأقلّ الأصغر ، فيفديه العالم الأكثر من أصغر العالم والأكبر .
فهو أصل نالت به قبائله من الشرف الأرب ، كما أن إسماعيل أصل تفرّعت منه قبائل العرب .
مدّ إلى جرّ المجرّة باعا ، واتّخذ له فوق الأثير منازلا ورباعا .
لم يدر على مثله لناد نطاق ، ولم ير الدهر نظيره ولو شمّر عن ساقه ما أطاق .
تهابه النفوس إذا رمقته أبصارها ، وتلجأ إليه الرياح إذا أرهقها إعصارها .
فلو دعا السهم في الهواء لرجع من ساعته ، أو نادى الدهر الأبيّ لما أمكنه التخلّف من طاعته .
يسافر رأيه وهو دان غير نازح ، ويمضي تدبيره وهو ثاو غير بارح .
وهو في العلم فرد لم يختلف فيه اثنان ، وجامعيّة فنون ذات أصول وأفنان .
وله شعر كقدره فوق أن يقال جليل ، وكثير المدح في جنب معاليه قليل .
كما قال القائل : [ المتقارب ]
كلام الإمام إمام الكلام * وفوه يفوه بحرّ النّظام
مزاج معانيه في نظمها * مزاج المدام بماء الغمام
فمن شعره قوله ، من قصيدة أولها : [ المتدارك ]
في المهجة أضحى معهده * فلذا في الغيبة تشهده