وكنت وأنا بالرّوم اجتمعت به مرّات ، وشاهدت طلعة هي موسم أفراح ومسرّات .
فلما ورد دمشق كانت رؤيتي له ثانية ، وفيها تدلّت عليّ ثمرات إقباله متدانية .
وشدّيت للقاهرة في خدمته الرّحل ، وكنت معه بها في زمن كزمن الفطحل .
في أوقات كلها برؤيته نعيم وطلاوة ، أتلو بها أوصافه على القلم فيسجد لها سجدة تلاوة .
وأنا أعلّق من نفائسه كلّ ذخيرة ، وينسيني الليلة الأولى منه بالأخيرة .
وتسهر عيني فيه والحظّ نائم * كأنّي من خوف المكاره أحرسه
ولقد أشتهي أن أحلّ كلّ جسم ، ليكون لي من رؤية وجهه كل قسم .
وإذا رغب إلى الله راغب ، في تسهيل ما له من مطالب ورغائب .
فإني أرغب في التوسّل بطول عمره ، وارتقاء أمره .
إلى أن يعمل الاسم في الحرف ، ويمتنع زيد من الصّرف .
وحتى يشغل الجسم حيّزين ، ويحلّ في مكانين .
وقد أخذت من أشعاره التي جاوز الشّعرى تراقيها ، وكأنّما نظم المحاسن عقد في تراقيها .
ما لو ضربت بيوتها بالحجاز ، لأقرّت لها العرب العاربة بالإعجاز . [ البسيط ]
قصائد إن تكن تتلى على ملأ * صدورها علمت منها قوافيها
ينسى لها الراكب العجلان حاجته * ويصبح الحاسد الغضبان يرويها
فمنها قصيدة نبوية ، أولها : [ الطويل ]
متى هتفت بالجنح ورق الحمائم * أنارت جوى قلب من الوجد هائم
سقى اللّه ساحات العذيب وبارق * بكل همول الودق أوطف ساجم « 1 »
إذا بارق شمناه من نحو بارق * تأجّج نار في الحشا والحيازم « 2 »
فها أنا مطويّ الضلوع على الجوى * إلى لثم هاتيك الرّبى والمعالم
ألا أيها الحادي ترفّق بمهجتي * وباليعملات الدّاميات المناسم « 3 »
أحنّ ادّكارا نحو منعرج اللّوى * وأصبو إلى سفح النّقا فالأناعم
فيسّر إلهي أن أعفّر جبهتي * بساحات هاتيك الرّبى والمعالم
هامش
( 1 ) ساجم : المطر ، يقال : سجمت السحابة المطر . ا . ه اللسان ( سجم ) .
( 2 ) الحيازم : جمع حيزوم ، وهو وسط الصدر . اللسان ( حزم ) .
( 3 ) المناسم : جمع منسم ، وهو طرف الخف من الناقة . ا . ه اللسان ( نسم ) .