وكان يوما في روض فينان ، اخضرّت فيه خمائل وأفنان .
وهو منشرح الصدر ، وندماؤه حوله كالنجوم أحاطت بالبدر .
وصرف الدهر عنه مصروف ، وطرفه دون تطرّف ساحته مطروف .
يترنّح في الخطوة يمينا وشمالا ، ويقتطف من الحظّ أمانيّ وآمالا .
والروض يحيّيه بمباسم زهره ، ويرفع إليه رفع الحمد ببنان قضبه الناشئة من معصم نهره .
وهو يجلو من أبكاره ، وعرائس أفكاره ،
ما هو أمتع من بواكير الرّياحين ، وأوقع في الأسماع من مطربات التّلاحين .
فقرئ بحضرته أبيات غنّت بها نعم الجارية بين يدي المأمون ، وهي : [ الكامل ]
ولقد أخذتم من فؤادي أنسه * لا شلّ ربي كفّ ذاك الآخذ
وزعمت أنّي ظالم فهجرتني * ورميت في قلبي بسهم نافذ
ونعم هجرتك فاغفري وتجاوزي * هذا مقام المستجير العائذ
هذا مقام فتى أضرّ به الهوى * قرح الجفون بحسن وجهك لائذ
فأنشد مضمّنا لهذا المصراع قوله : [ الكامل ]
نقل العذول بأنني أفشيت ما * أخفى الحفاظ من الغرام الواقذ
هبني اقترفت لما افترى فاغفره لي * هذا مقام المستجير العائذ
فلم يبق أحد ممن تضمنه المجلس إلا وبدا وبده ، وشدا وشده .
فمنهم ولده السيد عبد الرحمن ، قال مرتجلا : [ الكامل ]
نبذ العهود مغاضبي فألمّ بي * في صورة الإشفاق طيف النّابذ
فسألته أن لا يفوه بما جرى * فيحيله عنّي بقول نافذ
فمضى ونمّ عليّ فيما قلته * فأتى يهدّدني بسيف شاحذ
رحماك قد صدق الخيال وإنما * هذا مقام المستجير العائذ
ثم تلاه تلوه السيد عبد الكريم ، فقال : [ الكامل ]
هب قادني فيك الغرام فما الذي * ألجاك تعذيبي بهجر واقذ
أضراعتي أم ما افترته عواذلي * عنّي إليك من الكلام النافذ