فهما في السيادة ربيبان ، يتضاءل لديهما الأقعسان .
اشتركا في البراعة اشتراك الشّمول ، وفاحا فوحة الزّهر وهبّا هبوب الشّمول . فكأنّ يد القادر الفتّاح ، شقّتهما من شقّي التّفّاح .
ينظر الأدب منهما عن مقلتين ، ويتردّد الأفاضل بينهما تردّد النسمات بين روضتين .
وهذا وإن عاجله الحمام ، فاستسرّ قبل التّمام .
إلّا أنه اهتصر الأمل لدنا ، وتبوّأ من قرارة العيش عدنا .
وقد ألان له الدهر معطفا ، وأجناه ما شاء من الأماني مقطفا .
وناله قبيل موته حال سنيّة الخلال ، وسيادة وريفة الظّلال .
فلم يقم داعي الهنا بإقباله حتى قام ناعي الأمنيّة ، ولا انتقد دينار عمره على محكّ الانتقا حتى عولج بصرف المنيّة .
فروّح اللّه بروحه في الجنان ، وعامله بمحض الفضل والامتنان .
وقد أثبتّ من شعره ما استوفى أقسام النّضارة ، واستكمل فصاحة البداوة وهو من لبّ الحضارة .
فمنه قوله من قصيدة ، مستهلها : [ الطويل ]
لك اللّه هل برق الرّبوع يلوح * وهل بان من ليل البعاد نزوح
وكم يا ترى يسطو عليّ بأدهم * وأشهب طرف الصّبح عه جموح
أراقب نجما ضلّ مسلك غربه * وطرفي هام والفؤاد جريح
يبيت يناجيني الحمام بسجعه * ويروي حديث السّقم وهو صحيح
أطارحه وجدي ويشكو من الجوى * وكلّ مشوق بالغرام يبوح
ينوح ولا يدري البعاد وفرخه * لديه قريب والزمان سموح
على غصنه الميّاد أصبح شاديا * ونشر الصّبا يغدو له ويروح
بروض بكته الغاديات فأضحكت * ثغور أقاح بالعبير تفوح
أقول له والوجد يمطر مقلتي * وقلبي في نار الغرام طريح
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر * وغصنك ميّاد ففيم تنوح
ألا يا حمام الأيك تعدوك حال من * بأحشاه من حرّ البعاد قروح