وإذا كان الرجل متشاعرا غير شاعر ، قالوا : فلان نبيّ في الشعر . يعني أنه لا ينبغي له ذلك ، وعلى هذا بنى مخلد الموصليّ قوله :
يا نبيّ اللّه في الش * عر وعيسى بن مريم
أنت من أشعر خل * ق اللّه ما لم تتكلّم
وله :
قالوا حبيبك أمسى لا تكلّمه * ولا تميل لرؤيا وجهه النّضر
فقلت أمر دعاني نحو جفوته * والحبّ للقلب لا للّفظ والنّظر
وله :
ادّعوا أن خصره في انتحال * فلذا بان قدّه الممشوق
وأقاموا الدليل ردفا ثقيلا * قلت مهلا دليلكم مطروق
ومن منشآته قوله من رسالة :
يقبّل الأرض معترفا برقّ العبودية قربا وبعدا ، ومقرا بأن فراق تلك الحضرة الزاكية لم يبق له على مقاومة التّصبّر جهدا .
ارتكب مجاز التصبّر ليفوز بحقيقة الاصطبار ، واستعار لقلبه جناح الشوق فهو هو يود لو أنه نحوكم قد طار .
عجّل عليه البين بدنوّ حينه ، وسبك في بودقة خدوده خالص إبريز دمعة عينه .
وقطّر بتصعيد أنفاسه لجين دموعه ، ونفى بتأوّهه وأنينه طير هجوعه .
بين أيادي من حلّاه اللّه بأشرف المناقب ، ورفع رتبته العليّة على أعلى المراتب .
ونصب له لواء المجد ، وخفض له جناح السّعد .
المجزوم بأنه أوحد العصر والأوان ، والمحكوم بقصر الفضل عليه من غير احتياج إلى حجة وبرهان .
من فتح لأبناء دهره أبواب التحقيق ، وفاق أقرانه بحسن التّنقيح والتدقيق .
وحلّ من مشكلات العلوم ما أعجز كل نحرير ، وأبرز غوامض الدقائق على أطراف الثّمام « 1 » بأحسن تقرير .
فهو المسند إليه في باب العلم ، والمشار إليه بأنه إمام الحلم .
وله من رسالة أخرى :
هامش
( 1 ) الثمام : هو على أطراف الثمام : أي محكيّ ، لا محال . اللسان . مادة ( ثمم ) .