وإن أحجم بقيت في النفس حاجة ، وعصف على القلب ريح حسرة فهاجه .
فلذلك أقدم على الثانية سجيّا ، وأبدى لتلك الحضرة هديّا .
فإن أكرم الأمير مثواها ، فنظم من فرائد عوائده فحلّاها .
وأجلب بما يروّي غليل الفؤاد ، ويخصب مراد المراد .
فذلك من مساعي فطرته المنجكيّة ، ودواعي شيمته البرمكية .
فأجابه بهذه الأبيات :
أمولاي من دون الأنام وسيّدي * بمدحك قد بلّغتني كلّ سؤدد
بعثت بأبيات كأن عقودها * منضّدة من لؤلؤ وزبرجد
أمتّع طرفي في طروس كأنها * مبادي عذار فوق خدّ مورّد
سطور إذا ما رمت قتل حواسدي * أجرّد منها كلّ عضب مهنّد
تكلّفني ردّ الجواب وإنني * أبيت بفكر في الزمان مشرّد
وليس يجيد الشعر منطق عاجز * ضئيل على فرش السّهاد موسّد
يمرّ به العمر الطويل مضيّعا * على الكره منه بين واش وحسّد
فعذرا أخا العلياء فلّت عزائمي * وقد كنت كالسيف الصّقيل المجرّد
فإنك أهل الصفح والعفو والرّضا * وإنك من نسل النبيّ محمد
أعزّ بني الدنيا وأشرف من سما * إلى الرتبة العليا بغير تردّد
صغير إذا عدّت سنيّ زمانه * كبير به أشياخنا الغرّ تقتدي
تملّك رقّ الحمد والشكر والثّنا * بكفّ على فعل الجميل معوّد
فلا زال عينا للزمان وأهله * يجرّر ذيل الفخر في كلّ مشهد
ومما طارحني به في بعض مطارحاته ، أنه لما مرّ بدمشق قاصدا الحج ، شغف بأحد أبناء سراتها ، وكان من الأشراف ، قال : ثم فارقته وتباكينا يوم التوديع ، فكتبت إليه من الطريق مضمّنا بيت البحتري :
يا آل بيت المصطفى هل رحمة * لفؤاد مشبوب الجوانح نائر « 1 »
ضلّت نواظره الرّقاد وما اهتدت * ببياض دمع من سواد ضمائر
دمع تعلّق بالشؤون فساقه * زفرات برح من جوى متخامر
هامش
( 1 ) نائر : هائج . اللسان مادة ( نار ) .