تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
ولما بطل سحر هاروت أحداقه ، وفكّت الأفئدة من وثاقه . عطف على محبّيه يستمدّ ودادهم ، ويستقي عهادهم . وكان شأنه مع الجميع ، شأن الفضل بن الربيع . فاندرج في مقولة الكيف ، وعلم أن المحاسن سحابة الصيف . وأصبح عبير وحده ، وصدّه من ريع بصدّه . وجعل زيّ الزّهاد شعاره ، واتّخذ من الشّعر صداره . حدادا على وفاة حسنه البهيج ، وفوات جماله الأريج . وما زال يرثي أيام أنسه ، وينعي ما يتعاطاه من الكيف على نفسه . حتى ضاق نطاق حضيرته ، وملّ الإقامة بين عشيرته . فأعطى عنانه ليد البعاد ، وامتطى غارب الاتهام والإنجاد . [ الطويل ]
كأنّ به ضغنا على كلّ جانب * من الأرض أو شوقا إلى كلّ جانب
إلى أن بلّغه اللّه غاية المأمول ، ووفّقه بأن استوطن مدينة الرسول . وأقام بجوار الشّفيع ، إلى أن غيّبه بقاع البقيع . وفي كثرة أسفاره يقول : [ الطويل ]
أنا التارك الأوطان والنازح الذي * تتبّع ركب العشق في زيّ قائف وما زلت أطوي نفنفا بعد نفنف * كأنّي مخلوق لطيّ النّفانف « 1 » فلا تعذلوني إن رأيتم كتابتي * بكلّ مكان حلّه كلّ طائف لعل الذي باينت عيشي لبينه * وأفنيت فيه تالدي ثم طارفي « 2 » تكلّفه الأيام أرضا حللتها * ألا إنما الأيام طوق التكالف فيملي عليه الدهر ما قد كتبته * فيعطف نحوي غصن تلك المعاطف
ومن بدائعه قصيدة ينعي بها نفسه على أكل الأفيون ، ويتأسف على ماضي حسنه : [ الكامل ]
من يدخل الأفيون بيت لهاته * فليلق بين يديه نقد حياته وإذا سمعتم بامرئ شرب الرّدى * عزّوه بعد حياته بمماته
هامش
( 1 ) النفنف : المفازة والصحراء . اللسان مادة ( نفنف ) . ( 2 ) التالد : القديم الأصيل . اللسان مادة ( تلد ) .
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 290 | محمد أمين المحبي