ولما بطل سحر هاروت أحداقه ، وفكّت الأفئدة من وثاقه .
عطف على محبّيه يستمدّ ودادهم ، ويستقي عهادهم .
وكان شأنه مع الجميع ، شأن الفضل بن الربيع .
فاندرج في مقولة الكيف ، وعلم أن المحاسن سحابة الصيف .
وأصبح عبير وحده ، وصدّه من ريع بصدّه .
وجعل زيّ الزّهاد شعاره ، واتّخذ من الشّعر صداره .
حدادا على وفاة حسنه البهيج ، وفوات جماله الأريج .
وما زال يرثي أيام أنسه ، وينعي ما يتعاطاه من الكيف على نفسه .
حتى ضاق نطاق حضيرته ، وملّ الإقامة بين عشيرته .
فأعطى عنانه ليد البعاد ، وامتطى غارب الاتهام والإنجاد . [ الطويل ]
كأنّ به ضغنا على كلّ جانب * من الأرض أو شوقا إلى كلّ جانب
إلى أن بلّغه اللّه غاية المأمول ، ووفّقه بأن استوطن مدينة الرسول .
وأقام بجوار الشّفيع ، إلى أن غيّبه بقاع البقيع .
وفي كثرة أسفاره يقول : [ الطويل ]
أنا التارك الأوطان والنازح الذي * تتبّع ركب العشق في زيّ قائف
وما زلت أطوي نفنفا بعد نفنف * كأنّي مخلوق لطيّ النّفانف « 1 »
فلا تعذلوني إن رأيتم كتابتي * بكلّ مكان حلّه كلّ طائف
لعل الذي باينت عيشي لبينه * وأفنيت فيه تالدي ثم طارفي « 2 »
تكلّفه الأيام أرضا حللتها * ألا إنما الأيام طوق التكالف
فيملي عليه الدهر ما قد كتبته * فيعطف نحوي غصن تلك المعاطف
ومن بدائعه قصيدة ينعي بها نفسه على أكل الأفيون ، ويتأسف على ماضي حسنه :
[ الكامل ]
من يدخل الأفيون بيت لهاته * فليلق بين يديه نقد حياته
وإذا سمعتم بامرئ شرب الرّدى * عزّوه بعد حياته بمماته
هامش
( 1 ) النفنف : المفازة والصحراء . اللسان مادة ( نفنف ) .
( 2 ) التالد : القديم الأصيل . اللسان مادة ( تلد ) .